ورأيت الأوامر والنواهي المقصورة الحكم على هذه الدار وهذه النشأة ، والمختصّة بمصالحهما الكلّيّة والجزئيّة ولوازمهما.
ورأيت المتعدّية الحكم إلى الآخرة تنقسم إلى أربعة أقسام: قسم ينتهي حكمه فِي أثناء زمان المكث البرزخي ، أو ينتهي بانتهاء البرزخ وقسم ينتهي حكمه فِي أثناء زمان الحشر ، أو ينتهي بانتهاء يومه وقسم ينتهي فِي أثناء زمان سلطنة جهنّم على من دخلها ، أو ينتهي بانتهاء حكمها فِي غير المخلّدين وقسم يختصّ بأهل الجنّة وبمن قيل فيهم:
وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ .
وهنا بحار زاخرة ، وأسرار باهرة ، لو خلّي كشفها ، لظهر ما يحيّر الألباب ، ويبدي العجب العجاب.
ويعلم من هذا المقام أيضا الجزاء الأبدي المستمرّ الحكم فِي الشرّ والخير ، والثابت إلى أجل متناه ، وسرّ المجازاة على الخير والشرّ والموازنة بالمثل فِي الشرّ والتضعيف فِي الخير إلى عشرة أمثاله وإلى سبعمائة ضعف وما شاء اللّه من الزيادة بحساب ، وسرّ المجازاة على
بعض الأعمال لبعض العاملين فِي الدنيا والآخرة ، وفي الآخرة دون الدنيا ، وبالعكس ، والمجعول هباء منثورا ، حتى لا يبقى لعين العمل صورة تترتّب""
عليها مكافأة بالخير.
ويعلم أيضا من كمل له التحقّق بهذا المقام المشار إليه سرّ المرتفع عن مراتب المجازات والموازنات المتعيّنة ، المنبّه عليها وتبيانه وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ومثله ممّا ورد وثبت ، فإنّ هذا الصنف من الأعمال لا يتعيّن له جزاء معلوم لغير من ظهر به ، فإنّه إلهي باق على أصله لا تعلّق له بسوى الحقّ ، ولسان حكمه من باب الإشارة لا التفسير مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ .