فإن انضمّ إلى ما ذكرنا حضوره مع الحقّ من حيث صدور أفعاله من العبد وبالعبد ، ويتحقّق ذلك ويشهده بعين الحقّ لا بنفسه ، من حيث إضافة الشهود والفعل والإضافة إلى الحقّ لا إلى نفسه ، فهو العبد المخلص المخلص.
فإن ظهرت عليه أحكام هذا المقام والمقام الذي - وهو مقام
"فبي يسمع ، وبي يبصر"
-وغيرهما من المقامات غير متقيّد بهما ولا بمجموعهما ، مع سريان حكم شهوده الأحدي على النحو المشار إليه فِي كلّ مرتبة ونسبة ، دون الثبات على أمر بعينه ، بل يكون ثابتا فِي سعته وقبوله كلّ وصف وحكم ، مع عدم تقيّده بمرتبة دون غيرها ، عن علم صحيح منه
بما اتّصف به وما انسلخ عنه فِي كلّ وقت وحال ، دون غفلة ولا حجاب ، فهو الكامل فِي العبوديّة والخلافة والإحاطة والإطلاق. حقّقنا اللّه وسائر الإخوان بهذا المقام المطلق ، والحال المحقّق بمنّه وفضله.
وصل من هذا الأصل
اعلم ، أنّ الأحكام الأصليّة المشروعة - أعني الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة - منسحبة على سائر أفعال المكلّفين ، فلا يمكن أن يصدر من المكلّف فعل من الأفعال - كائنا ما كان - ولا أن يكون فِي حال من الأحوال إلّا وللشرع فيه حكم من إحدى هذه المراتب الخمس وسواء كان الفعل ممّا تعيّنت له صورة فِي الأوامر والنواهي المشروعة ، كقوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وكقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ""
وغيرهما من الأمور المعيّنة بالذكر والمقيّدة بالشرط ، كالحال والوقت ونحوهما من الشروط. أو كانت مندرجة الذكر فِي ضمن أصل كلّي شامل الحكم ، مثل قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ إلى آخر السورة ، وكقوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
وكقوله عليه السّلام:"فِي كلّ ذي كبد رطبة أجر"