فكمال الأعمال ونتائجها إنّما يتمّ حصوله بصدورها عن الحضرة الذاتيّة الغيبيّة ، وبروزها إلى مرتبة الشهادة التي هي محلّ سلطنة الاسم"الظاهر"الذي هو مرآة الاسم"الباطن"ومجلاه ومقام نفوذ حكمه ، فإذا كملت فِي مرتبة الشهادة بظهور امتياز نتائجها عنها وتبعيّتها لها ، عاد الأمر كلّه إلى الحقّ مفصّلا على نحو امتيازه عنده فِي حضرة علمه أزلا ، مع أن لا فاعل سواه ، لكن توقّف ظهور الأفعال على العباد وإن كانوا من جملة الأفعال ، فالأفعال إنّما تنسب إليهم فِي الحقيقة من حيث ظهورها بهم ، لا أنّهم الفاعلون لها.
وهكذا حكم الصفات التي توهّم الاشتراك بين الحقّ والخلق ، على اختلاف أحكامها
ومراتبها ، فافهم وتذكّر ما سبق ذكره فِي سرّ الغذاء وصوره وكونه شرطا فِي التوصيل وظهور التفصيل لا غيره ، وكذلك ما نبّهت عليه من النكت المبثوثة الكاشفة لهذا السرّ فإنّك تستشرف على أسرار جليلة ، عظيمة الجدوى ، واللّه المرشد.
وصل من هذا الأصل
اعلم ، أنّ كلّ فعل يصدر من الإنسان من أفعال البرّ ، ويقصد به أمرا مّا غير الحقّ - كائنا ما كان - فهو فيه يعدّ من الأجراء لا من العبيد.
ومتى صدر منه الفعل المسمّى برّا أو عملا صالحا ، ولا يقصد به أمرا بعينه ، بل يفعله لكونه خيرا فقط ، كما سبقت الإشارة إليه ، أو لكونه مأمورا بفعله ويكون مطمح نظره فِي العمل الأمر ولكن ليس لكونه أمرا مطلقا ، بل من حيث الحضور فيه مع الآمر ، فهو الرجل ، فإن ارتقى بحيث أن لا يقصد بما يعمله غير الحقّ كان تامّا فِي الرجوليّة ، فإن تعدّى هذا المقام بحيث يتحقّق أنّه لا يفعل شيئا إلّا بالحقّ ،
كما ورد فِي الحديث"فبي يسمع ، وبي يبصر وبي يبطش ، وبي يسعى"
كان تامّا فِي المعرفة والرجوليّة.