الإنسان جامع لسائر أقسام الفعل وأحكامها ، وله من حيث مجموع صورته وروحه فِي الحياة الدنيا أفعال كثيرة ، وله من حيث روحانيّته حال الإنسلاخ بالمعراج الروحاني أفعال وآثار شتّى ، تقتضي أمورا شتّى ونتائج جمّة ، مع بقاء العلاقة البدنيّة والتقيّد من بعض الوجوه بحكم هذه الدار ، وهذه النشأة العنصريّة ، وله أيضا بعد مفارقة النشأة العنصريّة بالكلّيّة فِي نشأته البرزخيّة والحشريّة والجنانيّة وغيرها أفعال وأحوال مختلفة ، ولكن كلّها تابعة للنشأة العنصريّة وناتجة عنها ، وبتوسّطها تتعدّى أفعال الإنسان من الدنيا إلى البرزخ ، ثم إلى الآخرة ، وتتشّخص فِي الحضرات العلويّة ، ويثبت ويدوم حكمها كيف كان الإنسان ، وحيث كان من المراتب والعوالم والمواطن ، فإنّه لا يعرى عن أحكام المزاج العنصري ولوازمه ونتائجه التي يظهر بها وفيها نفسه إذ لا غنى له عن مظهر. ومظاهر الإنسان لا تعرى عن حكم الطبيعة أبدا ، فافهم.
وصل من هذا الأصل
اعلم ، أنّ أهمّ ما يجب ذكره وبيانه من هذه التقاسيم كلّها هو أفعال المكلّفين ، المضمون لهم عليها الجزاء وهم الثقلان وللحيوانات فِي ذلك مشاركة من جهة القصاص لا غير ، وليس لها - على ما ورد - جزاء آخر ثابت مستمرّ الحكم. وأمّا الجنّ فنحن وإن كنّا لا نشكّ فِي أنّهم يجازون على أفعالهم ، لكن لا نتحقّق أنّهم يدخلون الجنّة ، وأنّ المؤمن منهم يجازى على ما عمل من خير فِي الآخرة فإنّه لم يرد فِي ذلك نصّ ، ولا يعرف من جهة الذوق فِي هذه المسألة ما يوجب الجزم ، فقد يجنون ثمرة خيرهم فِي غير الجنّة ، حيث شاء اللّه. وأمّا الإنسان فعليه مدار الأمر وهو محلّ تفصيل الحكم.