فكفى بنا فضلا على مَنْ غَيْرُنا... حب النبي محمد إيَّانا
أي زيادة على ناس غيرنا، ويقال منه لمن صار ذلك سجية له: فضل الرجل،
بضم الضاد.
ويحتمل أن يخرج على هذين الاشتقاقين، وهما معنى البقية، ومعنى
الزيادة، فإذا جعلناه مصدرا فلابد له من عامل، ولم يتقدمه ما يصلح أن يكون
عاملا فيه، فيحتاج إلى إضماره، وتقديره: يفضل فضلا عن دينار، ففي"يفضل"
ضمير يعود إلى الدرهم، ويفضل فِي موضع الصفة، ويصير المعنى أنه لا يملك
درهما فاضلا عن دينار، أي باقيا عن دينار، أو زائدا عن دينار، بل يملك الدرهم،
ولا يكون فاضلا عن دينار، وإنما كان كذلك لأن النفي إذا دخل على شيء مقيد
إنما يتسلط على ذلك القيد، فإذا قلت: ما قام رجل عاقل، فمنطوقه انتفاء القيام
عن رجل عاقل، ومفهومه أنه قام رجل غير عاقل، وكذلك ما جاء زيد ضاحكاً،
منطوقه انتفاء مجيء زيد فِي حال ضحك، ومفهومه أنه جاء غير ضاحك.
وقد تقدم شرح المعنى فِي هذا الكلام، وأن المقصود به نفي ملكه الدرهم
والدينار، وأن عدم ملكه للدينار أولى، لكن يتخرج ذلك على قاعدة للعرب، وهي
أنه متى نفي شيء مقيد فقد قدمنا أن النفي يتسلط على ذلك القيد، هذا هو
الأكثر فِي كلامهم.
ولهم طريقة أخرى، وهي أنهم يقصدون نفي المحكوم عليه بانتفاء صفته،
فيقولون: ما قام رجل عاقل، أي لا رجل عاقل فيقوم، وهي طريقة معروفة لهم،
قال امرؤ القيس:
على لاحبٍ لا يهتدى بمناره... ... ... ... ... ... ... ..
لا يريد أن يثبت لهذا الطريق مناراً، وينفي عنه الاهتداء، إنما يريد نفي المنار،
أي فتنتفي الهداية به، أي لا منار لهذا الطريق فيهتدى به.
وقال الأَفْوَهُ الأَوْدفي:
بِمَهْمَهٍ مَاِ لأنيِسٍ بِهِ... حِسٌّ فَمَا فِيْهِ لَهُ مِنْ رَسِيْسِ
لا يريد أن بهذا القفر أنيسا لا حس له، إنما يريد لا أنيس به، فيكون له حس،