وصاحب هذا المقام لا يبقى فيه من الحكم الإمكاني الذي له وجه إلى العدم إلّا نسبة واحدة من وجه واحد ، بها تثبت عبوديّته ، وبها يمتاز عمّن هو على صورته ، وتذكّر تعريف الحقّ سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بأنّه أرسل رحمة للعالمين ، وأنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم ، وتضرّع إلى اللّه فِي أن ترث من هذا السيد الأكمل هذا المقام الأشرف الأفضل ، وصاحبه هو الإنسان الكامل ، والحال المذكور هو من أكبر أجزاء حدّ الكمال ، ومن أتمّ الأوصاف المختصّة به ،
فاعلم ذلك. ثم نرجع إلى ما كنّا بسبيله ، فنقول:
وهكذا الأمر فِي جهنّم فإنّ المؤمن لا تؤثّر النار فِي باطنه ، والمنافق لا يعذّب فِي الدرك الأعلى المتعلّق بالظاهر ، بل فِي الدرك الأسفل المختصّ بالباطن ، والمشرك يعذّب فِي الدرك الأعلى والأسفل ، فِي مقابلة السعيد التامّ السعادة.
وهنا أمور لا يمكن ذكرها يعرفها اللبيب ممّا سبقت الإشارة إليه من قبل. ولهذه الأقسام تفاصيل وأحكام يفضي ذكرها إلى بسط كثير ، فأضربت عن ذكرها لذلك ، واقتصرت على هذا القدر ، وسأذكر عند الكلام على قوله: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ما يبقى من جمل أسرار هذا المقام حسب ما تستدعيه الآية ويقدّره الحقّ - إن شاء اللّه تعالى - ثم لتعلم أنّ التخصيص الذي هو حكم الاسم"الرّحيم"على نوعين تابعين للقبضتين كما مرّ بيانه:
أحدهما: تخصيص أسباب النعيم لأهل السعادة برفع الشوائب ، كما أخبر به الحقّ بقوله:
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ، فإنّ الدنيا دار جمع ومزج ، فهي للمؤمنين فِي الدنيا ممزوجة بالأنكاد والأحكام الموطنيّة ، وهي لهم فِي الآخرة خالصة.