عن أبي سعيد - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن عيسى ابن مريم أسلمته أمُّه إلى الكتَّاب ليعلِّمه، فقال له المعلم: اكتب"بسم"فقال له عيسى: وما"بسم"؟ فقال له المعلم: ما أدري! فقال عيسى: الباء بهاءُ الله، والسين: سناؤه، والميم: مملكته."
فأخشى أنْ يكون غلطًا من المحدِّث، وأن يكون أراد [ب س م] ، على سبيل ما يعلَّم المبتدئ من الصبيان في الكتّاب حروف أبي جاد، فغلط بذلك، فوصَله، فقال:"بسم"، لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تُلي"بسم الله الرحمن الرحيم"، على ما يتلوه القارئ في كتاب الله، لاستحالة معناه على المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها، إذا حُمِل تأويله على ذلك.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {اللَّهِ} .
قال أبو جعفر: وأما تأويل قول الله تعالى ذكره"الله"، فإنه على معنى ما رُوي لنا عن ابنِ عبَّاسٍ -: هو الذي يَألَهه كل شيء، ويعبده كل خلْقٍ.
عن ابن عباس، قال:"الله"ذو الألوهية والمَعْبودية على خلقه أجمعين.
فإن قال لنا قائل: فهل لذلك في"فعل ويفعل"أصل كان منه بناءُ هذا الاسم؟
قيل: أمّا سماعًا من العرب فلا ولكن استدلالا.
فإن قال: وما دلّ على أن الألوهية هي العبادة، وأنّ الإله هو المعبود، وأنّ له أصلا في"فعل ويفعل".
قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل - يصف رجلا بعبادة، وبطلب مما عند الله جل ذكره:"تألَّه فلان"- بالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج:
للهِ دَرُّ الغانِيات المُدَّهِ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهِي
يعني: من تعبدي وطلبي اللهَ بعملي.
ولا شك أنّ"التألُّه"، التفعُّل من:"ألَه يأله"، وأن معنى"أله"- إذا نُطق به: - عَبَدَ اللهَ. وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه ب"فعل يفعل"يغير زيادة.
عن ابن عباس: أنه قرأ (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) [الأعراف: 127] قال: عبادتَك، ويقال: إنه كان يُعبَد ولا يَعبُد.
وكذلك كان عبدُ الله يقرؤها ومجاهد.
عن مجاهد: قوله"ويذرَكَ وإلاهتك"قال: وعبادتَك.
ولا شك أن الإلاهة - على ما فسره ابن عباس ومجاهد - مصدرٌ من قول القائل: ألَه اللهَ فلانٌ إلاهةً، كما يقال: عَبَد الله فلانٌ عبادةً، وعَبَرَ الرؤيا عبارةً. فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا: أنّ"أله"عَبد، وأن"الإلاهة"مصدرُه.