فإن قيل: فهل لغير الله رحمة أم لا ؟ قلنا: الحق أن الرحمة ليست إلا لله ، ثم بتقدير أن تكون لغير الله رحمة إلا أن رحمة الله أكمل من رحمة غيره ، وههنا مقامان: المقام الأول: فِي بيان أنه لا رحمة إلا لله ، فنقول: الذي يدل عليه وجوه: الأول: أن الجود هو إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فكل أحد غير الله فهو إنما يعطي ليأخذ عوضاً ، إلا أن الأعواض أقسام: منها جسمانية مثل أن يعطي ديناراً ليأخذ كرباساً ، ومنها روحانية وهي أقسام: فأحدها: أنه يعطي المال لطلب الخدمة ، وثانيها: يعطي المال لطلب الإعانة ، وثالثها: يعطي المال لطلب الثناء الجميل ، ورابعها: يعطي المال لطلب الثواب الجزيل ، وخامسها: يعطي المال ليزيل حب المال عن القلب ، وسادسها: يعطي المال لدفع الرقة الجنسية عن قلبه ، وكل هذه الأقسام أعواض روحانية ، وبالجملة فكل من أعطي فإنما يعطي ليفوز بواسطة ذلك العطاء بنوع من أنواع الكمال ، فيكون ذلك فِي الحقيقة معاوضة ، ولا يكون جوداً ، ولا هبة ، ولا عطية ، أما الحق سبحانه وتعالى فإنه كامل لذاته ، فيستحيل أن يعطي ليستفيد به كمالاً ، فكان الجواد المطلق والراحم المطلق هو الله تعالى.
الحجة الثانية: أن كل من سوى الله فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد واجب الوجود لذاته ، فكل رحمة تصدر من غير الله فهي إنما دخلت فِي الوجود بإيجاد الله فيكون الرحيم فِي الحقيقة هو الله تعالى.
الحجة الثالثة: أن الإنسان يمكنه الفعل والترك ، فيمتنع رجحان الفعل على الترك إلا عند حصول داعية جازمة فِي القلب ، فعند عدم حصول تلك الداعية يمتنع صدور تلك الرحمة منه ، وعند حصولها يجب صدور الرحمة منه ، فيكون الراحم فِي الحقيقة هو الذي خلق تلك الداعية فِي ذلك القلب ، وما ذاك إلا الله تعالى ، فيكون الراحم فِي الحقيقة هو الله تعالى.