(أما نفسك) فلا شك أنها كانت جاهلة فِي مبدأ الفطرة كما قال تعالى: {والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
[النمل: 78] ثم تأمل فِي مراتب القوى الحساسة والمحركة والمدركة والعاقلة ، وتأمل فِي مراتب المعقولات وفي جهاتها ، واعلم أنه لا نهاية لها ألبتة ، ولو أن العاقل أخذ فِي اكتساب العلم بالمعقولات وسرى فيها سريان البرق الخاطف والريح العاصف وبقي فِي ذلك السير أبد الآبدين ودهر الداهرين لكان الحاصل له من المعارف والعلوم قدراً متناهياً ، ولكانت المعلومات التي ما عرفها ولم يصل إليها أيضاً غير متناهية ، والمتناهي فِي جنب غير المتناهي قليل فِي كثير ، فعند هذا يظهر له أن الذي قاله الله تعالى فِي قوله: {وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً}
[الإسراء: 85] حق وصدق.
(وأما بدنك) فاعلم أنه جوهر مركب من الأخلاط الأربعة ، فتأمل كيفية تركيبها وتشريحها ، وتعرف ما فِي كل واحد من الأعضاء والأجزاء من المنافع العالية والآثار الشريفة وحينئذٍ يظهر لك صدق قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا}
[إبراهيم: 34] وحينئذٍ ينجلي لك أثر من آثار كمال رحمته فِي خلقك وهدايتك ، فتفهم شيئاً قليلاً من معنى قوله الرحمن الرحيم.
لا رحمن إلا الله