إذا عرفت هذا فنقول: قد ذكرنا أن النفس فِي الدنيا نافع وضروري فلو انقطع عن الإنسان لحظة لمات فِي الحال ، وكذلك معرفة الله تعالى أمر لا بدّ منه فِي الآخرة فلو زالت عن القلب لحظة لمات القلب لا محالة ، لكن الموت الأول أسهل من الثاني ؛ لأنه لا يتألم فِي الموت الأول إلا ساعة واحدة ، وأما الموت الثاني فإنه يبقى ألمه أبد الآباد ، وكما أن التنفس له أثران: أحدهما: إدخال النسيم الطيب على القلب وإبقاء اعتداله وسلامته ، والثاني: إخراج الهواء الفاسد الحار المحترق عن القلب ، كذلك الفكر له أثران: أحدهما: إيصال نسيم الحجة والبرهان إلى القلب وإبقاء اعتدال الإيمان والمعرفة عليه ، والثاني: إخراج الهواء الفاسد المتولد من الشبهات عن القلب ، وما ذاك إلا بأن يعرف أن هذه المحسوسات متناهية فِي مقاديرها منتهية بالآخرة إلى الفناء بعد وجودها ، فمن وقف على هذه الأحوال بقي آمناً من الآفات واصلاً إلى الخيرات والمسرات ، وكمال هذين الأمرين ينكشف لعقلك بأن تعرف أن كل ما وجدته ووصلت إليه فهو قطرة من بحار رحمه الله ، وذرة من أنوار إحسانه ، فعند هذا ينفتح على قلبك معرفة كون الله تعالى رحماناً رحيماً.
فإذا أردت أن تعرف هذا المعنى على التفصيل فاعلم أنك جوهر مركب من نفس ، وبدن وروح ، وجسد.