لكنه قد يظن بعض الظاهريين أن إضافة السيّئة إلى الله تعالى خروج عن قانون الأدب فبين في الآية أن كل ما يصيب الإنسان من سيّئة حتى الكفر الذي هو أقبح القبائح فإن ذلك بتخليق الله تعالى . والوجه فيه أن يقدر الكلام استفهاماً على سبيل الإنكار ليفيد أن شيئاً من السيّئات ليست مضافة إلى الإنسان بل كلها بقضائه ومشيئته ، ويؤيده ما يروى أنه قرئ {فمن نفسك} بصريح الاستفهام . ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله تعالى قوله بعد ذلك: {وأرسلناك للناس رسولاً} أي ليس لك إلاّ الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت {وكفى بالله شهيداً} على جدّك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي ، فأما تحصيل الهداية فليس إليك بل إلى الله . قال علماء المعاني: قوله {رسولاً} حال من الكاف أي حال كونك ذا رسالة و {للناس} صفة {رسولاً} متعلق ب {أرسلناك} وإلاّ لقيل إلى الناس . فأصل النظم وأرسلناك رسولاً للناس فلا بد للتقديم من خاصية هو التخصيص أعنى ثبوت الحكم للمقدم ونفيه عما يقابله حقيقة أو عرفاً لا عما عداه مطلقاً . وبعد تقديم هذه المقدمة فاللام في قوله: {للناس} إما أن يكون للعهد الخارجي أو للجنس أو للاستغراق . والأول باطل لأن المعهود الخارجي حصة معينة من الأفراد فيلزم اختصاص إرساله ببعض الإنس لوقوع بعض الناس في مقابلة كلهم عرفاً فيكون مناقضاً لما في الآيات الأخر كقوله: {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} [الأعراف: 158] ولقوله:"بعثت إلى الخلق كافة"والثاني وهو حمل اللام على تعريف الجنس أيضاً باطل لأنه يلزم اختصاص إرساله بالإنس دون الجن ، لأنّ ثبوت الحكم لحقيقة الإنس بوساطة التقديم ينفي الحكم عما يقابلها عرفاً وهو حقيقة الجن ، أو ينفي الحكم عما عداها من الحقائق فيشمل حقيقة الجن ضرورة . وعلى التقديرين يلزم الخلف لأنه صلى الله عليه وسلم مبعوث