{مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا} ؛ أي: من قبل أن نمحو تخطيط صورها، من عين وحاجب وأنف وفم، وقرأ الجمهور: {نَطْمِسَ} بكسر الميم، وقرأ أبو رجاء: بضمها وهما لغتان، {فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} ؛ أي: فنجعلها على هيئة أقفائها؛ أي: آمنوا من قبل أن يحل بكم العقاب، من طمس الوجوه، والرد على الأدبار، أو من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم، التي توجهتم إليها من كيد الإِسلام، ونردها خاسرة إلى الوراء، بإظهار الإِسلام ونصره عليكم، وقد كان لهم عند نزول الآية شيء من المكانة والقوة والعلم والمعرفة.
وجعل بعضهم الرد على الأدبار حسيًّا؛ فقال: نردهم على أدبارهم بالجلاء إلى فلسطين والشام، وهي بلادهم التي جاءوا منها.
وخلاصة المعنى: آمنوا قبل أن نعمي عليكم السبيل، بما نبصِّر المؤمنين شؤونكم، ونغريهم عليكم، فتردوا على أدباركم بأن يكون سعيكم إلى ما ليس بخير لكم.
وقوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ} فيه التفات؛ لأن الضمير فيه عائد على أهل الكتاب، والمعنى: يا أهل الكتاب آمنوا من قبل أن نلعنكم ونخذلكم بالمسخ والطرد عن رحمة الله، {كَمَا لَعَنَّا} وخذلنا وطردنا {أَصْحَابَ السَّبْتِ} الذين اعتدوا بصيد السمك في يوم السبت، بمسخهم قردة وخنازير وطردهم عن رحمة الله تعالى، وقال ابن عطية: المراد بأصحاب السبت أصحاب أيلة الذين اعتدوا في السبت بالصيد، وكانت لعنتهم أن مُسخوا خنازير وقردة انتهى.