ولما كانت الشمس والقمر قد جعل - جلَّ جلالُه - بأمره لهما من المنافع ما تقدم الكلام
على بعضه في موجودات هذه الدار، وليس فيما هنالك شمس ولا قمر ولا نجوم
ولا كواكب، بل هو - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه يومئذ المرئي، والحق الذي نشأ إليه
حق ما هنا، فموجودات ما هنالك، وأمر ما هنالك موجود كله عن الحق المبين لا
بوسائطه ما هاهنا، بل على القرب والكشف كما نوَّع الاستظلال بظلال ما خلفه،
وميز ما بينه وبين البروز عنه برحمة منه، هي دفاع ضر هذا بنفع هذا، وكفاية ما
جعل في هذا، أو نفعه لما يقابله من هذا من نفع أو ضر بلطفٍ لهم ببره، ويعلمهم
بحسن تدبيره ليريهم من آياته ما يذيقهم من بأسه بهذا، وبما يدفع عنهم برحمته،
فهذه على موجودات دار القرار.
وكل ذلك من رحمته وكريم بره، كذلك فاعلم ينوعّ - جلَّ جلالُه - بنعيمه إياهم رضوانه
وإكرامه، كيف لا وهو القائل جلَّ قوله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) . أما مثلهم في دار البرزخ حال موتهم، فهو
أن السماوات والأرض، وما بين ذلك موجود كله وهم - أعني: الأشقياء والسعداء
-هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، كما عبَّر عنه قوله الحق:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا...).
وقال في السعداء: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) فنفَسا جهنم موجودان
اليوم حال الموت صير الله الكفار إلى حقيقتهما، وبخاصة إلى النار كما تقدم، وأما
السعداء فهم كما قال الله وقوله الصدق: في جنات وفي ظل ظليل، لا يصيبهم من
نفَسي جهنم الموجودين في دار الدنيا في حال البرزخ حال موتهم الظاهر، بل هم
في ظل ظليل اليوم، كما تقدم القول في هذا المعنى، فكانوا في الدنيا يكنهم بالأبنية
والمباني البيوت والأكنان وغيرها، فلما ماتوا أدخل أوليائه المؤمنين الجنة، فهم في
الظل الظليل، وأدخل أعداءه سموم الحرور، وما تقدم في توجيهات من كلام تنويع
لحقائق هم وأجدوها هؤلاء وهؤلاء.
وعلى القول بالإجمال، فالظل على ضربين الكفاية والوقاية، كقولهم: أنا في