والنصارى (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) ، (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) ذمّهم الله تعالى بذلك ، وذمّ من
يفعل فعلهم ، وحظر أن يمدح الإِنسان نفسه ، بل أن يزكي غيره
إلا على وجه مخصوص ، فالتزكية في الحقيقة هي الإِخبار
عما ينطوي عليه الإِنسان ، ولا يعرف ذلك إلا الله تعالى.
ولهذا قال: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ)
ونبّه بقوله: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) أن تزكيته ليست لضرب من الميل.
فهو منزه عن كبير الظلم وصغيره.
والفتيل: هو الخيط الذي في شق النواة.
وقيل: هو ما فتل من الوسخ بين الأصبعين.
تشبيهًا بالفتيلة هيئة وصغر قدر ،
قوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا(50)
ذكر ذلك تعظيمًا لزعمهم (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)
ونبّه بقوله: (وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا) أنه لايخفى كونه مأثمًا.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا(51)
الجبت والطاغوت: في الأصل اسمان لصنمين ، ثم صارا يستعملان
في كُل باطل ، ولذلك قيل: ما عُبِدَ من دون الله فهو طاغوت ،
ولذلك فُسِّر مرة بالصنم ، ومرة بالشيطان ، ومرة بالسحر ، ومرة بكل
معظّم من دون الله ، وإنما ذكرهم بإيتاء نصيب من الكتاب تقبيحًا
لفعلهم ، فمن جحد الحق مع معرفته به فهو أقبح فعلًا وأعظم مأثمًا.
وعنى بالذين كفروا مشركي العرب ، حيث زعموا أنهم أهدى
سبيلًا من المسلمين ، ومعنى قوله: (لِلَّذِينَ) أي لأجلهم وفيهم ،
ولهذا قال: هؤلاء ولم يقل: أنتم ، وباقي الآية مفهوم.