فليس في ذكر اللعن ما يقتضي أن لا يُغفر لصاحبه.
وأما النكال في الدنيا فتعلُقهم به جهل أو تجاهل ، لأن موضوع النكال
ليكون قمعًا للمنكَّل به عن معاودته وقمع غيره عن أن يحذو
حذوه ، وليس ذلك من عقوبة الآخرة في شيء ، بل قد قيل هو
مُسقطٌ لعقوبة الآخرة ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الحدود كفّارات لأهلها"،
ألا ترى أنه قد يُحدّ التائب مع أن العقوبة في الآخرة قد سقطت
عنه بالتوبة ؟!
وما رواه جابر أنا كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى نزل قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية. دلالة على فساد قولهم ، وما قالوه بأن هذا من أخبار الآحاد فلا يقبل فيما هو من باب التدين والعلم ، فإن أخبار
الآحاد تُردّ فيما تعافه العقول الصحيحة ، وقد علم أن العفو
من باب الإِحسان الذي حثنا عليه العقل والشرع ، وبتحريه يصير
العبد من الصديقين والشهداء والصالحين.
والافتراء: يقال في القول والفعل كالصدق والكذب.
بل الافتراء وإن تُعوُرِف في القول فهو بالفعل أولى.
وكذا الاختلاق ، لأنهما من فريت الأديم وخلقته.
ومعنى الإِثم العظيم هو الذي إذا اعتبر بالآثام كان
أكثرها عقوبة.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا(49)
التزكية ضربان: أحدهما: بالفعل ، وهو أن يتحرى الإِنسان ما فيه تطهير بدنه ، وذلك يصحّ أن ينسب إلى العبد تارة نحو قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) وإلى من يؤمر بفعله ، نحو قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) .
والثاني: بالقول ، وذلك بالإِخبار عنه بذلك ، ومدحه به.
ومحظور على الإِنسان أن يفعل ذلك بنفسه ، لا بالشرع فقط.
بل بمقتضى العقل ، من غير داعٍ إلى ذلك ، ولمّا قالت اليهود