وقيل: هو إشارة إلى ما قال - صلى الله عليه وسلم -:
"أول ما خلق الله القلم ، فقال له: أجر بما هو كائن إلى يوم القيامة".
وقيل: الأمر ههنا إشارة إلى الإِبداع ، وهو اختراع الشيء من غير أصل.
لا في زمان ولا في مكان ، ولا بآلة ، وذلك يعبر عنه بالأمر.
وعلى ذلك قوله: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) .
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(48)
معنى أن يشرك به: أن يديم الإِنسان الشرك ، فلا خلاف أن من لم يُدم
ذلك بل أقلع عنه بالتوبة على الوجه الذي يجب يُغفر له.
لكن اختُلِف في قوله (لِمَنْ يَشَاءُ) لكونه مجملًا.
فقال بعضهم: عنى به غير المشركين ، فكأنه قيل:
يغفر ما دون ذلك لغير المشركين ، ففيه توعُّد أن المشرك
مأخوذ بكل ذنب مع الشرك بخلاف المؤمنين ، الذين قال لهم: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) .
ومنهم من قال: عنى به التائب بدلالة قوله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) .
وقول من قال: (لِمَنْ يَشَاءُ) يقتضي ذلك ، أن فيما دون الكفر
ما يُغفر ، وهو الصغائر ، وفيه ما لا يغفر وهو الكبائر ، وإلا لم
يكن لقوله: (لِمَنْ يَشَاءُ) فائدة ، فليس بصحيح لأن قوله:
(مَا دُونَ ذَلِكَ) عام للذنوب صغائرها وكبائرها ، والمغفور له هو
الذي جعله خاصَّا منهما ، فيقتضي أن ما دون الشرك كله يُغفر.
لكن يُغفر لبعض دون بعض ، واشتراط (لِمَنْ يَشَاءُ) لئلا يقرر
أن ذلك عامٌّ للمشرك وغير المشرك ، فصار قوله: (لِمَنْ يَشَاءُ)
عبارة عن غير المشركين.
وقولهم: إن الكبائر دون الشرك لو صح غفرانها لم يثبت فيها اللعن
ولا الحد على وجه النكال ليس بشيء .