والنوع الثالث ، هو الذي عقده النبي - صلى الله عليه وسلم - أول العهد بالمدينة ، بين المهاجرين والأنصار. فكان المهاجر يرث الأنصاري ، مع أهله - كواحد منهم - أو دون أهله إن كانوا مشركين فصلت بينهم وبينه العقيدة..
والنوع الرابع.. كان في الجاهلية ، يعاقد الرجل الرجل ، ويقول:"وترثني وأرثك"..
وقد جعل الإسلام يصفي هذه العقود ؛ وبخاصة النوعين الثالث والرابع. بتقرير أن الميراث سببه القرابة. والقرابة وحدها. ولكنه لم يبطل العقود التي سبق عقدها. فأمضاها على ألا يجدد سواها. وقال الله سبحانه:
{والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} .
وشدد في هذا وأشهد الله على العقد وعلى التصرف فيه:
{إن الله كان على كل شيء شهيداً} ..
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا حلف في الإسلام. وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" (رواه أحمد ومسلم) .
وقد سار الإسلام في تصفية هذه العقود سيرته في كل ما يتعلق بالأنظمة المالية ، في علاجه لها - بدون أثر رجعي - فهكذا صنع في الربا حين أبطله. أبطله منذ نزول النص ، وترك لهم ما سلف منه ؛ ولم يأمر برد الفوائد الربوية. وإن كان لم يصحح العقود السابقة على النص ، ما لم يكن قد تم قبض تلك الفوائد. فأما هنا فقد احترم تلك العقود ؛ على ألا ينشأ منها جديد. لما يتعلق بها - فوق الجانب المالي - من ارتباطات أخذت طابع العضوية العائلية بتشابكاتها الكثيرة المعقدة. فترك هذه العقود القائمة تنفذ ؛ وشدد في الوفاء بها ؛ وقطع الطريق على الجديد منها ؛ قبل أن تترتب عليه أية آثار تحتاج إلى علاج!
وفي هذا التصرف يبدو التيسير ، كما يبدو العمق والإحاطة والحكمة والشمول ، في علاج الأمور في المجتمع.
حيث كان الإسلام يصوغ ملامح المجتمع المسلم يوماً بعد يوم ؛ ويمحو ويلغي ملامح الجاهلية في كل توجيه وكل تشريع.