والأمر في الميراث كذلك .. ففي الوهلة الأولى يبدو أن هناك إيثاراً للرجل في قاعدة: {فللذكر مثل حظ الأنثيين} .. ولكن هذه النظرة السطحية لا تفتأ أن تتكشف عن وحدة متكاملة في أوضاع الرجل والمرأة وتكاليفهما .. فالغنم بالغرم، قاعدة ثابتة متكاملة في المنهج الإسلامي .. فالرجل يؤدي للمرأة صداقها ابتداء ولا تؤدي هي له صداقاً. والرجل ينفق عليها وعلى أولادها منه. وهي معفاة من هذا التكليف، ولو كان لها مال خاص - وأقل ما يصيب الرجل من هذا التكليف أن يحبس فيه إذا ماطل!! - والرجل عليه في الديات والأرش (التعويض عن الجراحات) متكافلاً مع الأسرة، والمرأة منها معفاة. والرجل عليه في النفقة على المعسرين والعاجزين والعواجز عن الكسب في الأسرة - الأقرب فالأقرب - والمرأة معفاة من فريضة التكافل العائلي العام .. حتى أجر رضاع طفلها من الرجل وحضانته عند افتراقهما في المعيشة، أو عند الطلاق، يتحملها الرجل، ويؤديها لها كنفقتها هي سواء بسواء .. فهو نظام متكامل توزيع التبعات فيه هو الذي يحدد توزيع الميراث. ونصيب الرجل من التبعات أثقل من نصيبه في الميراث. ومنظور في هذا إلى طبيعته وقدرته على الكسب؛ وإلى توفير الراحة والطمأنينة الكاملة للمرأة، لتقوم على حراسة الرصيد البشري الثمين؛ الذي لا يقوّم بمال، ولا يعد له إنتاج أية سلعة أو أية خدمة أخرى للصالح العام!
وهكذا نجد معالم التوازن الشامل، والتقدير الدقيق في المنهج الإسلامي الحكيم، الذي شرعه الحكيم العليم ..
ونسجل هنا ما منحه الإسلام للمرأة في هذا النص من حق الملكية الفردية:
{للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} ..
وهو الحق الذي كانت الجاهلية العربية - كغيرها من الجاهليات القديمة - تحيف عليه؛ ولا تعترف به للمرأة - إلا في حالات نادرة - ولا تفتأ تحتال للاعتداء عليه. إذ كانت المرأة ذاتها مما يستولى عليه بالوراثة، كالمتاع!