قال القرافي:"بعيدٌ من جهة أن النحاة نَصُّوا على أن"لا"لنفي المستقبل، واستعمالها بمعنى"لم"قليل مجازٌ [1] ، فيجتمع المجاز في الفعل المضارع وفي"لا"أيضًا [2] ، فكان الأحسن في الجواب أن يقال: لا نسلم التكرار، بل قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} إخبار عن الواقع منهم، أي: عدم المعصية دائمًا. وقوله تعالى: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} إخبار عن سجياتهم التي طُبعوا عليها، يعني: أن سجيتهم الطاعة [3] ، فيكون أحدهما خبرًا عن الواقع منهم، والآخر خبر [4] عن السجية التي فطروا عليها فلا تكرار، والفعل المضارع قد كثر استعماله في الحالة المستمرة [5] ، كقولهم: زيدٌ يُعْطِي ويَمْنع، ويَصِل ويقطع. وقول خديجة رضي الله عنها للنبي - صلى الله عليه وسلم:"إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتُعين على نوائب الدهر" [6] . أي: ذلك شأنك في كل وقت. وهو مجاز واحد"
(1) نحو قوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} أي: لم يصدق. انظر: نفائس الأصول 3/ 1240.
(2) أي: يجتمع على هذا التقدير مجازان: محاز إطلاق المضارع وإرادة الماضي، ومجاز إطلاق"لا"على نفي الماضي، وهي في الأصل لنفي المستقبل.
(3) فهم يُلهمون الطاعة والتسبيح كما يُلهم أحدنا النَّفَس.
(4) هكذا في النسخ، والصواب:"خبرًا".
(5) أي: المستمرة في الماضي والحال والاستقبال.
(6) أخرجه البخاري 1/ 504، في كتاب الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رقم 3. وخَرَّجه في مواضع أخرى مختصرًا ومطولًا. انظر الأرقام الآتية: 3212، 4670، 4672 - 4674، 6581. وأخرجه مسلم 1/ 139 - 142، في كتاب الإيمان, باب بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رقم الحديث 160.