اتجاهان للمفسرين: الاتجاه الأول: أنها منسوخة بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ. والقول الثاني: أنها غير منسوخة. وإنما قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها بيان لما يكون عليه الحساب. وهو مما يدخل تحت الوسع، ويدخل تحت الكسب.
والمهم أن نعرف أن المؤاخذة في العزم ثابتة. وأما الخطرة دون العزم، فالجمهور على أنها معفو عنها. فإذا اتضح هذا، فمسألة النسخ وعدمه، إنما هي مسألة اصطلاحية، تدور حول التخصيص، هل هو نسخ، أو بيان،. مع الملاحظة أن القاعدة الكلية هي أن النسخ يكون في الأحكام، لا في الأخبار. وقد أخذ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الآية أمر شديد، حتى فرج الله عنهم بأن أنزل الآيتين بعدها.
ومما ورد في ذلك. ما رواه الإمام أحمد، وغيره عن أبي هريرة قال: لما نزلت على
رسول الله صلى الله عليه وسلم: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... اشتد ذلك على أصحاب رسول الله: فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب، وقالوا يا رسول الله:
كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم؛ سمعنا وعصينا؟. بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» . فلما أقر بها القوم، وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها: آمَنَ الرَّسُولُ ... إلى آخر الآيتين. فلما فعلوا ذلك نسخها الله.
وكما قلنا سابقا، إن كلمة النسخ هنا كلمة اصطلاحية. تفيد البيان المقيد، لا أكثر.
ولذلك نجد روايات عن ابن عباس تفيد النسخ، وروايات تفيد عدم النسخ. لأن الأمر كما ذكرنا. وممن روي عنه عدم النسخ: مجاهد، والضحاك، والحسن البصري.