ولأنه روي في الصحيح: «إنكم محشورون عراة، فأول من يكن إبراهيم» وفي ذلك دليل على فضله وتقدمه، وإن أفضل ما يدعو به نبينا - صلى الله عليه وسلّم - ، أن نقول: اللهم صلي على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فإذا كان أقصى ما نسأل ربنا - عز وجل - لنبينا - صلى الله عليه وسلّم - أن يلحقه إبراهيم فيصلي عليه كصلاته على إبراهيم، أفلا ذلكم دليل على فضل إبراهيم صلوات الله عليه.
فالجواب: أن الله - عز وجل - قد أخبر أنه اتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يخبر أنه اتخذ النبيين خليلاً، فيكون ذلك حكماً بتفضيله عليهم.
إنما معنى ذلك ما أشار قوله - عز وجل - {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} .
وقيل: إن إبراهيم عليه السلام إنما هداه الله إلى معرفته ووفقه الله لتوحيده، حتى كان الكفر طبق الأرض، ولم يكن في الدنيا نسمة تعرف الله - عز وجل - ويعترف به غيره واتخذ خليلاً بأن جعله أهلاً لهدايته أولاً، ثم بأن أمره ونهاه وظهرت منه الطاعة ثانياً بأن ابتلاه، فوجد منه الصبر ثالثاً فكان يومئذ خليله، وأهل الأرض كلهم أعداءه، لأنه كان المطيع، والناس غيره عصاه.
فأما أن يقال: أنه اتخذه خليلاً على الذي لا يشك في أنه كان يحبهم ويحبونه من عامة النبيين فلا يقال ذلك، لأن من خالف الخليل فهو عدوه.
وقد علمنا أنه ليس في الأنبياء لله عدو، فصح أن اتخاذ إبراهيم خليلاً ليس عليهم، وإنما هو على أعداءه زمانه كما بينا، ويدل على ما قلت أن الأولياء كلهم يحبون الله ويحبهم، ودرجة المحبة فوق درجة الخلة، وكل حبيب خليل، وليس كل خليل حبيباً، فكيف يجوز مع هذا أن يكون اتخاذ الله إبراهيم خليلاً اتخاذه إياه خليلاً على إخوانه مع النبيين بل الأشبه أن يكون ذلك على عناء، ولم يؤهل أحد منهم للهداية غيره.
فهكذا ثم هدى به من أراد، فكان ذلك اتخاذ أباه خليلاً والله أعلم.
وأما قوله عز وجل: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} فإنما فيه أمره باتباع ملة إبراهيم لا اتباع إبراهيم.
وملة إبراهيم لم يلزم اتباعها لأجل إبراهيم لكن لأنها الحق الذي لا يتسع إنكاره، ولذلك كان يلزم إبراهيم، فكذلك يلزم غيره.
كما وصف الله - عز وجل - في هذه الآية التوحيد.