والأصل عندنا في هذا: أنهم أجمعوا على حرمة الميسر مع ما كان فيه من المنافع للفقراء وأهل الحاجة والمعونة لهم؛ لأنهم كانوا يقتسمون على الفقراء، فإذا حرم اللَّه هذا ثبت أن المقرون به أحق في الحرمة مع ما فيه من الضرر. الذي ذكرنا. واللَّه أعلم.
وقال الشيخ، رحمه اللَّه تعالى، في قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) : ولم يبين في السؤال أنه عن أي أمرهما كان السؤال؛ وأمكن استخراج حقيقة ذلك عن الجواب بقوله: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) ، كان السؤال كان"عما فيهما"؛ فقال: فيهما كذا.
وعلى ذلك قوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) ، كأن السؤال عما يعمل في أموال اليتامى، من المخالطة وأنواع المصالح، وكذلك قوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) كأنه قال: عن غشيان في المحيض، إذ في ذلك جرى الجواب فلم يبين
في السؤال لما في الجواب دليله، أو لما كان الذين سألوا معروفين يوصل بهم إلى حقيقة ذلك. واللَّه أعلم.
وقيل: هذه الآية تدل على حرمتهما بما قال: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) ، وقد قال اللَّه تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ) إلى قوله: (وَالإثْمَ) ، ثبت أن الإثم محرم.
وأكثر السلف على أن الحرمة فيهما ليست بهذه الآية، ولكن بقوله (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ) .
وقوله: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) ، يبلغ أمر الخمر والميسر إلى ما يكون فيهما (إِثْمٌ كَبِيرٌ) ، من نحو ما بين عند السكر والميسر في سورة المائدة من وقوع العداوة والبغضاء والصد عما ذكر، (فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ) ، في ذلك الوقت بوجوه:
أما في الخمر: إلى أن يسكر، وفي التجارة فيها.
وفي الميسر: لما كان يفرق ما فيه ذلك على الفقراء، وما فيه من التجارة ونحو ذلك.