وَهَذَا تَحْذِيرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ أَنْ يَأْتُوا شَيْئًا مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعَاصِيهِ، وَتَخْوِيفٌ لَهُمْ عِقَابَهُ عِنْدَ لِقَائِهِ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ، وَأَمْرٌ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَشِّرَ مِنْ عِبَادِهِ بِالْفَوْزِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبِكَرَامَةِ الْآخِرَةِ، وَبِالْخُلُودِ فِي الْجَنَّةِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُحْسِنًا مُؤْمِنًا بِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَبِلِقَائِهِ، مُصَدِّقًا إِيمَانَهُ قَوْلًا بِعَمَلِهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ فَرَائِضِهِ فِيمَا أَلْزَمَهُ مِنْ حُقُوقِهِ، وَبِتَجَنُّبِهِ مَا أَمَرَهُ بِتَجَنُّبِهِ مِنْ مَعَاصِيهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَلَا تَجْعَلُوهُ عِلَّةً لِأَيْمَانِكُمْ، وَذَلِكَ إِذَا سُئِلَ أَحَدُكُمُ الشَّيْءَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ بِاللَّهِ إِلَّا فَعَلَ ذَلِكَ، أَوْ قَدْ حَلَفْتُ بِاللَّهِ أَنْ لَا أَفْعَلَهُ. فَيَعْتَلَّ فِي تَرْكِهِ فِعْلَ الْخَيْرِ، وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَلِفِ بِاللَّهِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ:" {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} قَالَ: هُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ أَنْ لَا يُكَلِّمَ قَرَابَتَهُ، وَلَا يَتَصَدَّقُ، أَوْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِنْسَانٍ مُغَاضَبَةٌ، فَيَحْلِفُ لَا يُصْلِحُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ: قَدْ حَلَفْتُ، قَالَ: يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} "