قال الزمخشري: وقوله تعالى: {هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء} -: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} -: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} . من الكنايات اللطيفة ، والتعريضات المستحسنة . وهذه وأشباهها فِي كلام الله آداب حسنة ، على المؤمنين أن يتعلموها ، ويتأدبوا بها ، ويتكلفوا مثلها فِي محاورتهم ومكاتبتهم .
وقد ورد - فِي سبب نزول هذه الآية - رواية أخرى أخرجها أبو داود والحاكم عن ابن عباس قال: كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب كانوا يرون لهم فضلاً عليهم فِي العلم ، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم . وكان من أمر أهل الكتاب أنهم لا يأتون النساء إلا على حرف ، وذلك أستر ما تكون المرأة . فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم . وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً ، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات . فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار . فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف ، فاصنع ذلك ، وإلا فاجنبني ، حتى سرى أمرهما . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ، أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات ، يعني بذلك موضع الولد .
تنبيه:
ما ذكرناه من الروايات هو المعول عليه عند المحققين .
وثمة روايات أخر تدل على أن هذه الآية إنما أنزلت رخصة فِي إتيان النساء فِي أدبارهن .
قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحداً أقتدي به فِي ديني يشك أنه حلال يعني وطء المرأة فِي دبرها, ثم قرأ: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} ، ثم قال: فأي شيء أبين من هذا ؟ قهذه حكاية الطحاوي نقلها ابن كثير .