وهو هو طريق المؤمنين..
ثم يمضي السياق ، يبين للمسلمين حكم الخمر والقمار.. وكلتاهما لذة من اللذائذ التي كان العرب غارقين فيها. يوم أن لم تكن لهم اهتمامات عليا ينفقون فيها نشاطهم ، وتستغرق مشاعرهم وأوقاتهم:
{يسألونك عن الخمر والميسر. قل: فيهما اثم كبير ومنافع للناس. وإثمهما أكبر من نفعهما} ..
وإلى ذلك الوقت لم يكن قد نزل تحريم الخمر والميسر. ولكن نصاً فِي القرآن كله لم يرد بحلهما. إنما كان الله يأخذ بيد هذه الجماعة الناشئة خطوة خطوة فِي الطريق الذي أراده لها ، ويصنعها على عينه للدور الذي قدره لها. وهذا الدور العظيم لا تتلاءم معه تلك المضيعة فِي الخمر والميسر ، ولا تناسبه بعثرة العمر ، وبعثرة الوعي ، وبعثرة الجهد فِي عبث الفارغين ، الذين لا تشغلهم إلا لذائذ أنفسهم ، أو الذين يطاردهم الفراغ والخواء فيغرقونه فِي السكر بالخمر والانشغال بالميسر ؛ أو الذين تطاردهم أنفسهم فيهربون منها فِي الخمار والقمار ؛ كما يفعل كل من يعيش فِي الجاهلية. أمس واليوم وغداً! إلا أن الإسلام على منهجه فِي تربية النفس البشرية كان يسير على هينة وفي يسر وفي تؤدة..
وهذا النص الذي بين أيدينا كان أول خطوة من خطوات التحريم. فالأشياء والأعمال قد لا تكون شراً خالصاً. فالخير يتلبس بالشر ، والشر يتلبس بالخير فِي هذه الأرض. ولكن مدار الحل والحرمة هو غلبة الخير أو غلبة الشر. فإذا كان الإثم فِي الخمر والميسر أكبر من النفع ، فتلك علة تحريم ومنع. وإن لم يصرح هنا بالتحريم والمنع.
هنا يبدو لنا طرف من منهج التربية الإسلامي القرآني الرباني الحكيم. وهو المنهج الذي يمكن استقراؤه فِي الكثير من شرائعه وفرائضه وتوجيهاته. ونحن نشير إلى قاعدة من قواعد هذا المنهج بمناسبة الحديث عن الخمر والميسر.
عندما يتعلق الأمر أو النهي بقاعدة من قواعد التصور الإيماني ، أي بمسألة اعتقادية ، فإن الإسلام يقضي فيها قضاء حاسماً منذ اللحظة الأولى.