والحبوط مأخوذ من حبطت الناقة إذا رعت مرعى خبيثاً فانتفخت ثم نفقت.. والقرآن يعبر بهذا عن حبوط العمل ، فيتطابق المدلول الحسي والمدلول المعنوي.. يتطابق تضخم العمل الباطل وانتفاخ مظهره ، وهلاكه فِي النهاية وبواره.. مع تضخم حجم الناقة وانتفاخها ثم هلاكها فِي النهاية بهذا الانتفاخ!
ومن يرتدد عن الإسلام وقد ذاقه وعرفه ؛ تحت مطارق الأذى والفتنة - مهما بلغت - هذا مصيره الذي قرره الله له.. حبوط العمل فِي الدنيا والآخرة. ثم ملازمة العذاب فِي النار خلوداً.
إن القلب الذي يذوق الإسلام ويعرفه ، لا يمكن أن يرتد عنه ارتداداً حقيقياً أبداً. إلا إذا فسد فساداً لا صلاح له. وهذا أمر غير التقية من الأذى البالغ الذي يتجاوز الطاقة. فالله رحيم. رخص للمسلم - حين يتجاوز العذاب طاقته - أن يقي نفسه بالتظاهر ، مع بقاء قلبه ثابتاً على الإسلام مطمئناً بالإيمان. ولكنه لم يرخص له فِي الكفر الحقيقي ، وفي الارتداد الحقيقي ، بحيث يموت وهو كافر.. والعياذ بالله..
وهذا التحذير من الله قائم إلى آخر الزمان.. ليس لمسلم عذر فِي أن يخنع للعذاب والفتنة فيترك دينه ويقينه ، ويرتد عن إيمانه وإسلامه ، ويرجع عن الحق الذي ذاقه وعرفه.. وهناك المجاهدة والمجالدة والصبر والثبات حتى يأذن الله. والله لا يترك عباده الذين يؤمنون به ، ويصبرون على الأذى فِي سبيله. فهو معوضهم خيراً: إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.
وهناك رحمته التي يرجوها من يؤذون فِي سبيله ؛ لا ييئس منها مؤمن عامر القلب بالإيمان:
{إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فِي سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ، والله غفور رحيم} ..
ورجاء المؤمن فِي رحمة الله لا يخيبه الله أبداً.. ولقد سمع أولئك النفر المخلص من المؤمنين المهاجرين هذا الوعد الحق ، فجاهدوا وصبروا ، حتى حقق الله لهم وعده بالنصر أو الشهادة. وكلاهما خير. وكلاهما رحمة. وفازوا بمغفرة الله ورحمته: {والله غفور رحيم} ..