بهذا يصل بالقلوب إلى الأفق الأعلى ، وإلى درجة الصفاء والتجرد والخلوص لله.. فِي رفق وفي هوادة ، وفي غير معسفة ولا اصطناع.. وهذا هو المنهج التربوي الذي يضعه العليم الخبير. ويقيم عليه النظام الذي يأخذ بيد الإنسان ، كما هو ، ويبدأ به من حيث هو ؛ ثم ينتهي به إلى آماد وآفاق لا تصل إليها البشرية قط بغير هذه الوسيلة ، ولم تبلغ إليها قط إلا حين سارت على هذا المنهج ، فِي هذا الطريق.
وعلى هذا المنهج ذاته ، يجري الأمر فِي فريضة الجهاد ، التي تأتي تالية فِي السياق للحديث عن الإنفاق:
{كتب عليكم القتال وهو كره لكم. وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ؛ وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم. والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ..
إن القتال فِي سبيل الله فريضة شاقة. ولكنها فريضة واجبة الأداء. واجبة الأداء لأن فيها خيراً كثيراً للفرد المسلم ، وللجماعة المسلمة ، وللبشرية كلها. وللحق والخير والصلاح.
والإسلام يحسب حساب الفطرة ؛ فلا ينكر مشقة هذه الفريضة ، ولا يهون من أمرها. ولا ينكر على النفس البشرية إحساسها الفطري بكراهيتها وثقلها. فالإسلام لا يماري فِي الفطرة ، ولا يصادمها ، ولا يحرم عليها المشاعر الفطرية التي ليس إلى إنكارها من سبيل.. ولكنه يعالج الأمر من جانب آخر ، ويسلط عليه نوراً جديداً إنه يقرر أن من الفرائض ما هو شاق مرير كريه المذاق ؛ ولكن وراءه حكمة تهون مشقته ، وتسيغ مرارته ، وتحقق به خيراً مخبوءاً قد لا يراه النظر الإنساني القصير.. عندئذ يفتح للنفس البشرية نافذة جديدة تطل منها على الأمر ؛ ويكشف لها عن زاوية أخرى غير التي تراه منها. نافذة تهب منها ريح رخية عندما تحيط الكروب بالنفس وتشق عليها الأمور.. إنه من يدري فلعل وراء المكروه خيراً. ووراء المحبوب شراً. إن العليم بالغايات البعيدة ، المطلع على العواقب المستورة ، هو الذي يعلم وحده. حيث لا يعلم الناس شيئاً من الحقيقة.