وعندما يفيض ما فِي يده عن هؤلاء وهؤلاء - بعد ذاته - فإن الإسلام يأخذ بيده لينفق على طوائف من المجموع البشري ، يثيرون بضعفهم أو حرج موقفهم عاطفة النخوة وعاطفة الرحمة وعاطفة المشاركة.. وفي أولهم اليتامى الصغار الضعاف ؛ ثم المساكين الذين لا يجدون ما ينفقون ، ولكنهم يسكتون فلا يسألون الناس كرامة وتجملاً ؛ ثم أبناء السبيل الذين قد يكون لهم مال ، ولكنهم انقطعوا عنه ، وحالت بينهم وبينه الحوائل - وقد كانوا كثيرين فِي الجماعة المسلمة هاجروا من مكة تاركين وراءهم كل شيء - وهؤلاء جميعاً أعضاء فِي المجتمع ؛ والإسلام يقود الواجدين إلى الإنفاق عليهم ، يقودهم بمشاعرهم الطيبة الطبيعية التي يستجيشها ويزكيها. فيبلغ إلى أهدافه كلها فِي هوادة ولين. يبلغ أولاً إلى تزكية نفوس المنفقين. فقد أنفقت طيبة بما أعطت ، راضية بما بذلت ، متجهة إلى الله فِي غير ضيق ولا تبرم. ويبلغ ثانياً إلى إعطاء هؤلاء المحتاجين وكفالتهم. ويبلغ ثالثاً إلى حشد النفوس كلها متضامنة متكافلة ، فِي غير ما تضرر ولا تبرم.. قيادة لطيفة مريحة بالغة ما تريد ، محققة كل الخير بلا اعتساف ولا افتعال ولا تشديد!
ثم يربط هذا كله بالأفق الأعلى ، فيستجيش فِي القلب صلته بالله فيما يعطي ، وفيما يفعل ، وفيما يضمر من نية أو شعور:
{وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} ..
عليم به ، وعليم بباعثه ، وعليم بالنية المصاحبة له.. وهو إذن لا يضيع. فهو فِي حساب الله الذي لا يضيع عنده شيء ، والذي لا يبخس الناس شيئاً ولا يظلمهم ، والذي لا يجوز عليه كذلك الرياء والتمويه..