هذا الترتيب يشي بمنهج الإسلام الحكيم البسيط فِي تربية النفس الإنسانية وقيادتها.. إنه يأخذ الإنسان كما هو ، بفطرته وميوله الطبيعية واستعداداته ؛ ثم يسير به من حيث هو كائن ، ومن حيث هو واقف! يسير به خطوة خطوة ، صعداً فِي المرتقى العالي: على هينة وفي يسر ؛ فيصعد وهو مستريح ، هو يلبي فطرته وميوله واستعداداته ، وهو ينمي الحياة معه ويرقيها. لا يحس بالجهد والرهق ، ولا يكبل بالسلاسل والأغلال ليجر فِي المرتقى! ولا تكبت طاقاته وميوله الفطرية ليحلق ويرف! ولا يعتسف به الطريق اعتسافاً ، ولا يطير به طيراناً من فوق الآكام! إنما يصعدها به صعوداً هيناً ليناً وقدماه على الأرض وبصره معلق بالسماء ، وقلبه يتطلع إلى الأفق الأعلى ، وروحه موصولة بالله فِي علاه.
ولقد علم الله أن الإنسان يحب ذاته ؛ فأمره أولاً بكفايتها قبل أن يأمره بالإنفاق على من سواها ؛ وأباح له الطيبات من الرزق وحثه على تمتيع ذاته بها فِي غير ترف ولا مخيلة. فالصدقة لا تبدأ إلا بعد الكفاية. والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول". وعن جابر - رضي الله عنه - قال"جاء رجل بمثل بيضة من ذهب ، فقال: يا رسول الله. أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها. فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه. فأتاه من قبل ركنه الأيسر فقال مثل ذلك ، فأعرض عنه. ثم أتاه من خلفه فقال مثل ذلك ، فأخذها - صلى الله عليه وسلم - فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته. وقال: يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة. ثم يقعد يتكفف الناس! خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى".