وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ابْتَغُوا بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الصَّدَقَةُ} ، وَيُرْوَى ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ وَعَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ:"دَفْعُ مَالِ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةٌ ، وَالتِّجَارَةُ بِهِ".
وَقَدْ حَوَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ضُرُوبًا مِنْ الْأَحْكَامِ ، أَحَدُهَا قَوْلُهُ: {قُلْ إصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ خَلْطِ مَالِهِ بِمَالِهِ ، وَجَوَازُ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالْبَيْعِ ، وَالشِّرَى إذَا كَانَ ذَلِكَ صَلَاحًا ، وَجَوَازُ دَفْعِهِ مُضَارَبَةً إلَى غَيْرِهِ ، وَجَوَازُ أَنْ يَعْمَلَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً أَيْضًا.
وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ ؛ لِأَنَّ الْإِصْلَاحَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ إنَّمَا يُعْلَمُ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَغَالِبِ الظَّنِّ ؛ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِ لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ وَذَلِكَ بِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْيَتِيمُ أَكْثَرُ قِيمَةً مِمَّا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ وَيَبِيعُ أَيْضًا مِنْ مَالِ
نَفْسِهِ لِلْيَتِيمِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْإِصْلَاحِ لَهُ.