والله عزَّ وجلَّ يريد من عباده المؤمنين أن يكون شهر رمضان شهر زهد وتعبد، وبر بالفقراء والبائسين، وصون للمعدة واللسان والقلب، وتطهير للجسد من الأخلاط، وتطهير للروح من سوء الأخلاق.
فما أعظم منافع شهر الصيام وما أكثر بركاته، وإن الناس لفي حاجة إلى العلم بحكمة العبادات قبل التعبد بها أكثر من حاجتهم إلى معرفة أحكامها.
والله يقول: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) } [البقرة: 184] .
وإذا كان الربيع يكسو الأشجار أوراقها وأزهارها، ويبسم الوادي بعد أن كان خشناً يابساً، فكذلك رمضان في الشهور نال من إكرام الله ما لم ينله شهر سواه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] .
فهو وحي السماء إلى النفوس يهتف بها إلى داعي الله، ويحفزها إلى طريق الحياة، ويهديها إلى سبل البر والرشاد والنجاة، ويذكرها بما في دين الله من رحم وتواصل، وإخلاص وتنافس في الأعمال الصالحة، ويعظها أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
وفي الصيام تشعر النفس الإنسانية أن هؤلاء البشر كلهم على تفاوت درجاتهم واختلاف أمزجتهم متساوون في الاحتياج إلى الطعام والشراب.
والصوم الذي فرضه الله على المسلمين جميعاً الغني منهم والفقير، والأمير والحقير، والذكر والأنثى، يعظ بوجوب تغليب سلطان العقل على سلطان البطن، وسلطان البصر، وسلطان السمع، وسلطان الشهوات، وسلطان الغفلة.
والمقصود من الصوم التقوى التي يحصل بها كف جميع الجوارح عن مباشرة كل ما يحرم فعله شرعاً، ويتم ذلك بأمور:
أحدها: غض البصر عن الاسترسال في النظر إلى ما يشغل القلب عن ذكر الله تعالى، وما ينسي الإنسان ذكر الآخرة.
الثاني: حفظ اللسان عن النطق بالفحش والهذيان، والكذب والغيبة، ولزوم الصمت وعدم النطق إلا بما يحبه الله من ذكر الله، وتلاوة القرآن، والنصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالث: كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه من غيبة ونميمة، وفحش وقول الزور ونحوها.