الرابع: كف بقية الجوارح عن المحرمات والمكاره، وحفظ البطن وقت الإفطار عن الشبهات والمحرمات، فلا يفطر على لحوم الناس بالغيبة، أو على طعام مكتسب بغير وجه حلال.
الخامس: أن لا يكثر من الطعام وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه؛ لأن امتلاءه يهيج النفس البهيمية، ويبعث فيها الشهوة التي كانت راكدة خاملة طول النهار، وروح الصوم وسره إضعاف هذه القوى التي هي وسائل الشيطان في إفساد البشر.
ومتى ضعفت تلك الوسائل قوي القلب، وزالت عنه الحجب، ونظر بعين البصيرة إلى جلال الملكوت وجماله، ومواطن رحمته، وسوابغ نعمه، وآلائه وإحسانه، فانقاد لطاعته، وامتثال أوامره، وهذا لب العبودية وروحها.
السادس: أن يكون قلب الصائم بعد فطره بين الرجاء والخوف؛ لأنه لا يدري هل قبل صيامه أم لم يقبل، وهكذا في كل عمل صالح يكون العبد راجياً ربه، وخائفاً من عدم قبول عمله.
فروح الصوم هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وسائر المفطرات، وحبس القلب والفكر عما سوى الله تعالى، فلا يفكر في شيء من أمور الدنيا إلا فيما لا بدَّ منه من مصلحة أو منفعة واجب قضاؤها.
وقد خص الله سبحانه الصوم بأنه له، وهو يجزي به، وإن كانت أعمال البر كلها له، وهو يجزي بها؛ لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل فتكتبه الملائكة الحفظة، إنما هو نية في القلب، وإمساك عن حركة المطعم والمشرب.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قال اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» متفق عليه.
والصوم منه ما هو واجب كصيام رمضان، ومنه ما هو تطوع كصيام النفل.
وكما أوجب الله صيام رمضان لمصلحة العباد، فقد رغب في صيام النفل؛ تكميلاً للفرض، وقياماً بما يحبه الله، وسداً لما عساه أن يقع من خلل في الصوم الواجب، وتزوداً من الطاعات.