قوله تعالى: {إذا قيل لكم تفسَّحوا في المجلس} وقرأ عاصم في"المجالس"على الجمع ، وذلك لأن كل جالس له مجلس ، فالمعنى: ليفسح كل رجل منكم في مجلسه.
قال المفسرون: نزلت في نفر من المؤمنين كانوا يسابقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا أقبل المهاجرون وأهل السابقة ، لم يجدوا موضعاً ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يليه أولو الفضل ليحفظوا عنه ، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة جالس في صُفَّةٍ ضيِّقةٍ في المسجد ، جاء نفر من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس ابن شماس ، فسلَّموا وانتظروا أن يوسّعوا لهم ، فأوسعوا لبعضهم ، وبقي بعضهم ، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال قم يا فلان ، قم يا فلان ، حتى أقام من المجلس على عدة من هو قائم من أهل السابقة ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه من أقامهم الكراهة ، وتكلَّم المنافقون في ذلك وقالوا: والله ما عدل ، فنزلت هذه الآية.
وقال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا أقبل مقبل ضَنّوا بمجلسهم ، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض.
قال المفسرون: ومعنى"تفسَّحوا"توسَّعوا وذلك أنهم كانوا يجلسون متضايقين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجد غيرهم مجلساً عنده ، فأمرهم أن يوسِّعوا لغيرهم ليتساوى الناس في الحظِّ منه ، ويظهر فضيلة المقرَّبين إليه من أهل بدر وغيرهم.
وفي المراد"بالمجلس"هاهنا ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه مجلس الحرب ، ومقاعد القتال ، كان الرجل يأتي القوم في الصفِّ ، فيقول لهم: توسَّعوا ، فيأبَوْن عليه لحرصهم على القتال ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن ، وأبي العالية ، والقرظي.
والثاني: أنه مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله مجاهد.
وقال قتادة: كان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم ومن حوله خاصة.
والثالث: مجالس الذكر كلِّها ، روي عن قتادة أيضاً.