وَذُكِرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، امْتَنُّوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: آمَنَّا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَلَمْ نُقَاتِلْكَ كَمَا قَاتَلَكَ غَيْرُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَاتِ.
عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ:"كَانَ بِشْرُ بْنُ غَالِبٍ وَلَبِيدُ بْنُ عُطَارِدٍ، أَوْ بِشْرُ بْنُ عُطَارِدٍ، وَلَبِيدُ بْنُ غَالِبٍ عِنْدَ الْحَجَّاجِ جَالِسَيْنِ، فَقَالَ بِشْرُ بْنُ غَالِبٍ لِلَبِيدِ بْنِ عُطَارِدٍ: نَزَلَتْ فِي قَوْمِكَ تَمِيمٍ {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ:"إِنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِآخِرِ الْآيَةِ أَجَابَهُ {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} قَالُوا: أَسْلَمْنَا وَلَمْ نُقَاتِلْكَ بَنُو أَسَدٍ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ أَيُّهَا الْأَعْرَابُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الصَّادِقُ مِنْكُمْ مِنَ الْكَاذِبِ، وَمَنِ الدَّاخِلُ مِنْكُمْ فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ رَغْبَةً فِيهِ، وَمَنِ الدَّاخِلُ فِيهِ رَهْبَةً مِنْ رَسُولِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُنْدِهِ، فَلَا تُعَلِّمُونَا دِينَكُمْ وَضَمَائِرَ صُدُورِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّهُ ضَمَائِرُ صُدُورِكُمْ، وَتُحَدِّثُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ، وَيَعْلَمُ مَا غَابَ عَنْكُمْ، فَاسْتَسَرَّ فِي خَبَايَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
يَقُولُ: وَاللَّهُ ذُو بَصَرٍ بِأَعْمَالِكُمُ الَّتِي تَعْمَلُونَهَا، أَجَهْرًا تَعْمَلُونَ أَمْ سِرًّا، طَاعَةً تَعْمَلُونَ أَوْ مَعْصِيَةً؟ وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ وَكُفْؤُهُ وَ {أَنْ} فِي قَوْلِهِ: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ يَمُنُّونَ عَلَيْهَا، وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ إِسْلَامَهُمْ» ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا، وَلَوْ قِيلَ: هِيَ نَصْبٌ بِمَعْنَى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ لِأَنْ