قال الشراح: وكان ذلك بوحي . ثم كانت غزوة تبوك بعد فتح خيبر ، وبعد فتح مكة أيضاً . وفي منصرفه من تبوك نزل قوله تعالى: {فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} [التوبة: 83] الآية . فكيف يحمل على ما كان في غزوة الحديبية ، وقد نزل بعدها بكثير ؟ - والله أعلم - {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} أي: إلى خيبر إذا أردنا السير إليها . وهو نفي في معنى النهي . قال الشهاب: فالخبر مجاز عن النهي الإنشائي ، وهو أبلغ .
{كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ} قال ابن جرير: أي: من قبل مرجعنا إليكم . إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا ، ولستم ممن شهدها ، فليس لكم أن تتبعونا إلى خيبر ، لأن غنيمتها لغيركم: {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} أي: أن نصيب معكم مغنماً إن نحن شهدنا معكم ، فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم . قال الشهاب: وهو إضراب عن كونه بحكم الله . أي: بل إنما ذلك من عند أنفسكم حسداً .
{بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ} أي: عن الله تعالى ما لهم وما عليهم من أمر الدين: {إِلَّا قَلِيلاً} أي: فهماً قليلاً ، وهو ما كان في أمور الدنيا ، كقوله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم: 7] .
{قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ} أي: عن المسير معك: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي: يفوق قتال من أقاتلهم ، بحيث لا دخل للصلح والأمن فيه ، بل: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} أي: يدخلون في الدنيا من غير حرب ولا قتال . وقرئ شاذاً: {أو يسلموا} بمعنى إلا أن يسلموا ، أو حتى يسلموا {فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً} يعني الغنيمة في الدنيا ، والجنة في الآخرة: {وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ} أي: عن الحديبية: {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي: لتضاعف جرمكم .