وقوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ} يجوز أن يكون في موضع رفع على البدل، والاستثناء متصل، أي: ولا يملك المعبودون الشفاعة إلا الشاهدون بالحق، وهم عيسى وعزير والملائكة -عليهم السلام-، فإنهم يملكون الشفاعة للمؤمنين. وأن يكون في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، وقد مضى الكلام على نظير هذا فيما سلف من الكتاب.
{وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89) } :
قوله عز وجل: (وقِيلَهُ) قرئ بالحركات الثلاث:
أما النصب فيحتمل أوجهًا: أن يكون عطفًا على {سِرَّهُمْ} أي: ونسمع قِيلَه. وأن يكون عطفًا على محل {السَّاعَةِ} ، على: ويعلم قيلَه، كما تقول: عجبت من أكل الخبز واللحم، أي: من أكلك هذا وهذا. وأن يكون عطفًا على معمول {يَكْتُبُونَ} المحذوف، على: ويكتبون ذلك، ويكتبون قيله. وأن يكون عطفًا على معمول {يَعْلَمُونَ} المحذوف، أي: وهم يعلمون الحق ويعلمون قيله. وأن يكون منصوبًا على المصدر، على معنى: وقال قيله.
وأما الجر: فعلى لفظ {السَّاعَةِ} على: وعنده علم الساعة وعلم قيلِهِ.
وأما الرفع: فعلى الابتداء، وخبره إما ما بعده، والتقدير: وقيلُه قيلُه يا رب، فحذف قيله الذي هو خبر، ومحل {يَارَبِّ} النصب بالخبر المحذوف المقدر، قيل: ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع أن يحذف بحض الموصول ويبقى بعضه، لأن حذف القول قد كثر حتى صار بمنزلة المذكور، وإما محذوف، أي: وقيله كيت وكيت مسموع أو مقبول. وقد جوز أن يكون معطوفًا على قوله: {وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} على تقدير حذف المضاف، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله، فحذف المضاف فارتفع (وقيلُه) . وقد جوز أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه، والرفع على قوله: أيمن الله، وأمانة الله، ويمين الله، ولعمرك، ويكون قوله: {إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ} جواب القسم، كأنه قيل: وأقسم بقيله يا رب، أو قيله يا رب قسمي إن هؤلاء قوم لا يؤمنون.
والقيل: القول، والهاء قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقيل: لعيسى -عليه السلام-.