ب - فريق ينتصر ممن ظلمه، وهو المذكور في هذه الآية.
والخلاصة: أن العفو ضربان:
1 -ضرب يكون فيه العفو سببًا لتسكين الفتنة، وتهدئة النفوس، ومنع استفحال الشر، وهذا محمود، وحثت عليه الآيات الكريمة، التي ذكرت آنفًا.
2 -ضرب يكون فيه العفو سببًا لجراءة الظالم، وتماديه في غيه، وهذا مذموم، وعليه تحمل الآية، التي نحن بصدد تفسيرها، فالعفو عن العاجز المعترف بجرمه محمود، والانتصار من المخاصم العصر على جرمه، والمتمادي في غيه محمود، وإلى هذا أشار المتنبي:
إِذَا أنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَرِيْمَ مَلَكْتَهُ ... وَإِنْ أنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيْمَ تَمَرَّدَا
فَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السِّيْفِ بِالعُلَا ... مُضِرٌّ كَوَضْعِ السِّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى
40 -وقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ} ؛ أي: جناية {سَيِّئَةٌ} ؛ أي: جناية {مِثْلُهَا} ؛ أي: مماثلة للأولى في الكم والكيف، بيان لوجه كون الانتصار من الخصال الحميدة، مع كونه في نفسه إساءة إلى الغير، بالإشارة إلى أن البادئ هو الذي فعله لنفسه، فإن الأفعال مستتبعة لأجزيتها حتمًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرِّ، وفيه تنبيه على حرمة التعدي.
والمعنى: أي وجزاء سيئة المسيء، عقوبته بما شرعه الله من عقوبة مماثلة لجرمه. وإطلاق السيئة على الثانية، مع أنها جزاء مشروع مأذون فيه، وكل مأذون حسن لا سيء, لأنها تسوء من نزلت به، كما في آية أخرى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} ، يريد ما يسؤهم من المصائب والبلايا، أو للمشاكلة، لتشابههما في الصورة. كما في قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا} وعلى هذا فالسيئة مقابل الحسنة، بخلافها في الوجه الأول.