وسبق أنْ قلنا: إن مواكب الرسل المختلفة اتفقتْ في تحريم هذه الكبائر, وحثَّتْ الجوارح النفسية أنْ تتبرأ من عيوبها، فالقلب يتبرأ من الشرك ومن الإصرار على المعصية، وألاَّ يأمن مكر الله، وألاَّ ييأس من رحمة الله.
واللسان يبرأ من شهادة الزور وقوْل الزور وقَذْف المحصنات واليمين الغمُوس الذي يُغمس صاحبه في النار، وهو الحلف كذباً على شيء حصل في الماضي، وهذا اليمين ليس له كفارة، لكن إنْ حلف على شيء في المستقبل، وظهر له ما هو أفضل يسمح الله له إنْ يأتي الأفضل ويُكفِّر عن يمينه.
كذلك البطن تبرأ من شرب الخمر وأكْل مال اليتيم وأكْل الربا. والفَرْج يبرأ من كل اتصال لا يحلّ، واليد تبرأ من السرقة والقتل، والرِّجْل تبرأ من التولِّي يوم الزحف. وفوق هذا كله تبرأ كلُّ هذه الجوارح من عقوق الوالدين.
وقوله تعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37] الغضب فوران الغريزة الغضبية من شيء أغضبك أو أتعبك، وهذا الشيء حدث من شخص ما فتتولد لديك رغبة الانتقام أو مشاعر الحقد والحسد نحوه.
فالحق سبحانه يُعلِّمنا كيف نغفر ونعفو ونصفح، وإذا كنتَ تحب أن يغفر لك فاغفر لمَنْ أساء إليك، وإذا تأملنا أحوال الناس نلاحظ أن عاقبة الصفح والغفران حميدة، وعاقبة البطش والانتقام وخيمة.
لذلك الحق سبحانه وتعالى يرشدنا إلى أن نأخذ جانب العفو، ونحذر سَوْرة الغضب، وألاَّ ننساق معها، وألاَّ نتجاوز الحدود حين تأخذنا هذه السَّوْرة حتى في مسألة القصاص:
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ..} [البقرة: 178] .
فبعد أنْ يُشرع لنا القصاص يُذكّرنا بما هو أَوْلَى بنا وأرشد وهو العفو
{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ..} [البقرة: 178] فشرع القصاص ليحفظ الحق لصاحبه، ثم فتح باب العفو.
لذلك نجد الدين يمنع أي شخص أنْ يشفع في حَدّ من حدود الله إلا القتل تجوز فيه الشفاعة، لأن وليَّ المقتول حين يعفو عن القاتل يُفشي الودَّ في المجتمع، ويصير القاتل مُداناً له لأنه يعلم أن روحه رَهْن بهذا العفو.
واقرأ قول الله تعالى:
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34 - 35] .