والساعة غيب غائر في ضمير المجهول. والثمرات في أكمامها سر غير منظور ، والحمل في الأرحام غيب كذلك مستور. وكلها في علم الله ، وعلم الله بها محيط. ويذهب القلب يتتبع الثمرات في أكمامها ، والأجنة في أرحامها. يذهب في جنبات الأرض كلها يرقب الأكمام التي لا تحصى ؛ ويتصور الأجنة التي لا يحصرها خيال! وترتسم في الضمير صورة لعلم الله بقدر ما يطيق الضمير البشري أن يتصور من الحقيقة التي ليس لها حدود.
ويتصور القطيع الضال من البشر ، واقفاً أمام هذا العلم الذي لا يند عنه خاف ولا مستور:
{ويوم يناديهم: أين شركائي؟} ..
هنا في هذا اليوم الذي لا يجدي فيه جدال ، ولا تحريف للكلم ولا محال. فماذا هم قائلون؟
{قالوا: أذناك ما منا من شهيد؟} ..
أعلمناك ، أن ليس منا اليوم من يشهد أنك لك شريك!
{وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل ، وظنوا ما لهم من محيص} ..
فما عادوا يعرفون شيئاً عن دعواهم السابقة. ووقع في نفوسهم أن ليس لهم مخرج مما هم فيه وتلك أمارة الكرب المذهل ، الذي ينسي الإنسان ماضيه كله ؛ فلا يذكر إلا ما هو فيه.
ذلك هو اليوم الذي لا يحتاطون له ، ولا يحترسون منه ، مع شدة حرص الإنسان على الخير ، وجزعه من الضر.. وهنا يصور لهم نفوسهم عارية من كل رداء ، مكشوفة من كل ستار ، عاطلة من كل تمويه:
{لا يسأم الإنسان من دعاء الخير ، وإن مسه الشر فيؤوس قنوط. ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ، ليقولن: هذا لي ، وما أظن الساعة قائمة ، ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى. فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ، ولنذيقنهم من عذاب غليظ. وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ، وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} ..
إنه رسم دقيق صادق للنفس البشرية ، التي لا تهتدي بهدى الله ، فتستقيم على طريق.. رسم يصور تقلبها ، وضعفها ، ومراءها ، وحبها للخير ، وجحودها للنعمة ، واغترارها بالسراء ، وجزعها من الضراء.. رسم دقيق عجيب..