{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ} أي: لكون الأولى من مقام العقل تجرّ صاحبها إلى الجنة ومصاحبة الملائكة . والثانية من مقام النفس تجر صاحبها إلى النار ومقارنة الشياطين: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: ادفع السيئة حيث اعترضتك ، بالتي هي أحسن منها ، وهي الحسنة . على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقاً ، أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات . وإنما عدل من مقتضى الظاهر وهو: ادفع بالحسنة ، إلى الأبلغ - لأن من دفع بالأحسن هان عليه الدفع بما دونه . وهذا الكلام أبلغ في الحمل والحث على ما ذكر ؛ لأنه يومئ إلى أنه مهم ينبغي الاعتناء به والسؤال عنه .
قال القاشاني: أي: إذا أمكنك دفع السيئة من عدوك بالحسنة ، التي هي أحسن فلا تدفعها بالحسنة التي دونها ، فكيف بالسيئة ؟ فإن السيئة لا تندفع بالسيئة ، بل تزيد وتعلو ارتفاع النار بالحطب . فإن قابلتها بمثلها كنت منحطاً إلى مقام النفس ، متبعاً للشيطان ، سالكاً طريق النار ، ملقياً لصاحبك في الأوزار ، وجاعلاً له ولنفسك من جملة الأشرار ، متسبباً لازدياد الشر ، معرضاً عن الخير . وإن دفعتها بالحسنة ، سكّنت شرارته ، وأزلت عداوته ، وتثبت في مقام القلب على الخير ، وهديت إلى الجنة ، وطردت الشيطان ، وأرضيت الرحمن ، وانخرطت في سلك الملكوت ، ومحوت ذنب صاحبك بالندامة ، ثم أشار تعالى إلى علة الأمر ، وثمرته بقوله: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ} أي: صديق أو قريب: {حَمِيمٌ} أي: شديد الولاء . وأصل الحميم الماء الشديد حرارته . كنى به عن الولي المخلص في وده ، لما يجد في نفسه من حرارة الحب ، والشوق ، والاهتمام نحو مواليه .