فيصير إبليس وجنده من أعوإنه وأتباعه وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وإنما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من الصبر وهذه الحالة هي حالة جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء وجند أصحابها المكر والخداع والأماني الباطلة والغرور والتسويف بالعمل وطول الأمل وإيثار العاجل على الآجل، وهي التي قال في صاحبها النبي:
"العاجز من أتبع نفسه هواها وتمني على الله الأماني"
وأصحاب هذه الحال أنواع شتى:
فمنهم المحارب لله ورسوله الساعي في أبطال ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصد عن سبيل الله ويبغيها جهده عوجا وتحريفا ليصد الناس عنها.
ومنهم المعرض عما جاء به الرسول المقبل على دنياه وشهواتها فقط.
ومنهم المنافق ذو الوجهين الذي يأكل بالكفر والإسلام.
ومنهم الماجن المتلاعب الذي قطع أنفاسه بالمجون واللهو واللعب.
ومنهم من إذا وعظ قال واشواقاه إلى التوبة ولكنها قد تعذرت عليَّ فلا مطمع لي فيها.
ومنهم من يقول ليس الله محتاجا إلى صلاتي وصيامي، وأنا لا أنجو بعملي، والله غفور رحيم.
ومنهم من يقول ترك المعاصي استهانة بعفو الله ومغفرته.
فكثر ما استطعت من الخطايا ... إذا كان القدوم على كريم
ومنهم من يقول ماذا تقع طاعتي في جنب ما عملت، وما قد ينفع الغريق خلاص أصبعه وباقي بدنه غريق.
ومنهم من يقول سوف أتوب، وإذا جاء الموت ونزل بساحتي تبت وقُبلت توبتي ..
إلى غير ذلك من أصناف المغترين الذين صارت عقولهم في أيدي شهواتهم، فلا يستعمل أحدهم عقله إلا في دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى قضاء شهوته.
فعقله مع الشيطان كالأسير في يد الكافر يستعمله في رعاية الخنازير، وعصر الخمر، وحمل الصليب، وهو بقهره عقله وتسليمه إلى أعدائه عند الله بمنزلة رجل قهر مسلما وباعه للكفار وسلمه إليهم، وجعله أسيرا عندهم.