23 - {وَذَلِكُمْ} الظن أيها الأعداء، وهو مبتدأ خبره قوله: {ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ} وهو أنَّ الله لا يعلم كثيرًا مما يعملون، وإلا فالله تعالى عالم بجميع الكليات والجزئيات، وهو خالق الأعمال وسائر الأعراض، والجواهر والمطلع على البواطن والسرائر، كما هو مطلع على الظواهر، والتغاير بين العنوانين أمر جليّ، لظهور أنَّ ظنَّ عدم علم الله غير الظن بالرب، فيصح أن يكون خبرًا له {أَرْدَاكُمْ} خبر آخر له؛ أي: أهلككم وطرحكم في النار {فَأَصْبَحْتُمْ} ؛ أي: صرتم بسبب ذلك الظن السوء الذي أهلككم {مِنَ الْخَاسِرِينَ} ؛ أي: من الكاملين في الخسران حيث ظننتم بالله ظنّ السوء، وسوء الظن بالله من أكبر الكبائر كحب الدنيا، وقيل: إنّ {أَرْدَاكُمْ} : في محل نصب على الحال المقدرة، وقيل: إن {ظَنُّكُمُ} : بدل من {ذَلِكُمْ} و {الَّذِي ظَنَنْتُمْ} : خبره و {أَرْدَاكُمْ} : خبر آخر أو حال، وقيل: إن {ظَنُّكُمُ} : خبر أول، والموصول وصلته خبر ثان، و {أَرْدَاكُمْ} : خبر ثالث، والمعنى: أنّ ظنكم بأنّ الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون، أهلككم وطرحكم في النار، فصرتم من الكاملين في الخسران.
وحاصل معنى الآية: أي وهذا الظن الفاسد الذي قد كان منكم في الدنيا،
وهو أنّ الله لا يعلم كثيرًا من قبائح أعمالكم ومساويها، هو الذي أوقعكم في مواقع التلف والردى، فصرتم اليوم من الهالكين، إذ صرفتم ما منحتم من أسباب السعادة من القوّة العاقلة، والأعضاء الكاملة إلى الشقاء، فكفرتم نعم الخالق والرازق، وانهمكتم في الشهوات والمعاصي.
أخرج مسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد والطيالسي وعبد بن حميد وابن مردويه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ بالله تعالى، فإن قومًا قد أرداهم سوءُ ظنهم بالله، فقال الله: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) } ".
قال العلماء: الظنّ قسمان: