ولما كان الإنسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية .. كان معنى الاستخفاء هنا ترك المعصية، وقيل: معنى الاستتار: الاتقاء؛ أي: ما كنتم تتقون في الدنيا، أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة، فتتركوا المعاصي خوفًا من هذه الشهادة {وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ} عند استتاركم من الناس مع عدم استتاركم من أعضائكم {أَنَّ اللَّهَ} سبحانه {لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ} من المعاصي فاجترأتم على فعلها، قيل: كان الكفار يقولون: إن الله لا يعلم ما في أنفسنا، ولكن يعلم ما تظهر دون ما نسرُّ.
والخلاصة: أنكم كنتم في الدنيا تستترون عن الناس خوف الفضيحة والعار حين ارتكاب الذنوب، وما ظننتم أنَّ أعضاءَكم وجسمكم الأثيريّ الذي هو على صورة الجسم الظاهريّ قد سطّرت فيه جميع أعمالكم، كأنه لوح محفوظ، فلذلك ما كنتم تستترون عنها بترك الذنوب، وفي الآية إيماء إلى أنه لا ينبغي للمؤمن أن تمرّ عليه حال إلا وهو يفكر في أنّ الله رقيب عليه، كما قال أبو نوّاس:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيْبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفَلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيْبُ
فائدة: وفي"فتح الرحمن"قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ} الآية، قاله هنا بزيادة {مَا} بعد {جاء} ، وقال بحذفها في قوله في النمل: {حَتَّى إِذَا جَاءُوا} ، وفي الزمر: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا} مرتين، وفي الزخرف: {حَتَّى إِذَا جَاءَنَا} لأنّ الكلام هنا في أعداء الله أبسط وآكد منه في البقية، فناسب ذكر {مَا} للتأكيد هنا دون البقية.