وأقول: مقصود من أثر عنه إرادة الفروج بالجلود هو إرادة الفرد الأهم والأقوى ؛ وذلك لأن الجلود تصدق على ما حواه الجسم من الأعضاء والعضلات التي تكتسب الجريمة ، ولا يخفى أن أهمها بالعناية , وأولاها بالإرادة هو الفرج ؛ لأن معصيتها تربى على الجميع ، وقد عهد في مفسري السلف اقتصارهم في التأويل من العام على فرده الأهم . كقصرهم: {سَبِيْل اللَّهِ} على الجهاد ، مع أن: {سَبِيْل اللَّهِ} يصدق على كل ما فيه خير وقربة ، ونفع ومعونة ، على الطاعة ، إلا أن أهم الجميع هو جهاد الذين يصدون عن الحق . فذكر الجهاد لا ينفي غيره . وهذه فائدة ينبغي أن يحرص على فهمها كل من له عناية بالتفسير . فإنها من فوائده الجليلة ، وينحل بها إشكالات ليست بالقليلة . والله الموفق .
وقوله تعالى: {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} إما من تمام كلام الجلود ، أو مستأنف من كلامه تعالى: وعلى كل ، فهو مقرر لما قبله ، بأن القادر على الخلق أول مرة ، قادر على إنطاق كل شيء .
{وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} أي: وما كنتم تستترون عند فعلكم الفواحش والمنكرات ، مخالفة أو كراهة أن يشهد عليكم ما ذكر . أي: ليس استتارهم للخوف مما ذكر ، بل من الناس . فـ: {أنَ يَشْهَدَ} مفعول له ، بتقدير مضاف ، أو من أن يشهد ، أو عن أن يشهد ، أو أنه ضمن معنى الظن ، فهو في محل نصب . وفي الآية تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق ، أنه لا يمر عليه حال إلا وعليه رقيب ، كما قال أبو نواس: