اعْلَمْ أَنَّ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ دَفْعُ الْمَضَارِّ وَجَلْبُ الْمَنَافِعِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ دَفْعَ الْمَضَرَّةِ أَوْلَى بِالرِّعَايَةِ مِنْ جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ، وَالْمَضَرَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَاصِلَةً فِي الْمُسْتَقْبَلِ أو في الحال أو في الماضي، وهاهنا دقيقة عقلية وَهِيَ أَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحَاضِرِ وَالْحَاضِرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَاضِي، فَإِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ وَيُتَوَقَّعُ حُدُوثُهُ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا، فَإِذَا وُجِدَ يَصِيرُ حَاضِرًا، فَإِذَا عُدِمَ وَفَنِيَ بَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ مَاضِيًا، وَأَيْضًا الْمُسْتَقْبَلُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يَصِيرُ أَقْرَبَ حُصُولًا وَالْمَاضِي فِي كُلِّ حَالَةٍ أَبْعَدُ حُصُولًا، وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَا زَالَ مَا تَهْوَاهُ أَقْرَبُ مِنْ غَدِ ... وَلَا زَالَ مَا تَخْشَاهُ أَبْعَدُ مِنْ أَمْسِ
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْمَضَارُّ الَّتِي يُتَوَقَّعُ حُصُولُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْلَى بِالدَّفْعِ مِنَ الْمَضَارِّ الْمَاضِيَةِ، وَأَيْضًا الْخَوْفُ عِبَارَةٌ عَنْ تَأَلُّمِ الْقَلْبِ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ حُصُولِ مَضَرَّةٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْغَمُّ عِبَارَةٌ عَنْ تَأَلُّمِ الْقَلْبِ بِسَبَبِ قُوَّةِ نَفْعٍ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْمَاضِي، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَدَفْعُ الْخَوْفِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ الْحُزْنِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ الْغَمِّ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَنَقُولُ: إِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يُخْبِرُونَ بِأَنَّهُ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ بِسَبَبِ مَا تَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يُخْبِرُونَ بِأَنَّهُ لَا حُزْنٌ عَلَيْكُمْ بِسَبَبِ مَا فَاتَكُمْ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَعِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَقَدْ زَالَتِ الْمَضَارُّ وَالْمَتَاعِبُ بِالْكُلِّيَّةِ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ يُبَشَّرُونَ بِحُصُولِ الْمَنَافِعِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)