وَجْهُ النَّظْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعُقُولَ وَالشَّرَائِعَ نَاطِقَةٌ بِأَنَّ خُلَاصَةَ السَّعَادَاتِ مَرْبُوطَةٌ بأمرين التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْجُودَاتِ، إِمَّا الْخَالِقُ وَإِمَّا الْخَلْقُ، فَأَمَّا الْخَالِقُ فَكَمَالُ السَّعَادَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ مَعَهُ أَنْ يُقِرَّ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ، ثُمَّ يَأْتِي بِأَفْعَالٍ دَالَّةٍ عَلَى كَوْنِهِ فِي نِهَايَةِ الْعَظَمَةِ فِي اعْتِقَادِنَا وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْخَلْقُ فَكَمَالُ السَّعَادَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ مَعَهُمْ أَنْ يَسْعَى فِي دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُمْ وَفِي إِيصَالِ الْخَيْرِ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أَنْ أَعْظَمَ الطَّاعَاتِ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَأَفْضَلُ أَبْوَابِ التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ الْإِقْرَارُ بِكَوْنِهِ وَاحِدًا وَإِذَا كَانَ التَّوْحِيدُ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَأَشْرَفَهَا كَانَ ضِدُّهُ وَهُوَ الشِّرْكُ أَخَسَّ الْمَرَاتِبِ وَأَرْذَلَهَا، وَلَمَّا كَانَ أَفْضَلُ أَنْوَاعِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخَلْقِ هُوَ إِظْهَارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنَ الزَّكَاةِ أَخَسَّ الْأَعْمَالِ، لِأَنَّهُ ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهُ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ إِنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ الْوَيْلَ لِمَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِصِفَاتٍ ثَلَاثَةٍ أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ مُشْرِكًا وَهُوَ ضِدُّ التَّوْحِيدِ. وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ)
وَثَانِيهَا: كَوْنُهُ مُمْتَنِعًا مِنَ الزَّكَاةِ وَهُوَ ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ)