وَثَالِثُهَا: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْقِيَامَةِ مُسْتَغْرِقًا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي أَنَّهُ لَا زِيَادَةَ عَلَى هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ: الْأَمْسُ وَالْيَوْمُ وَالْغَدُ. أَمَّا مَعْرِفَةُ أَنَّهُ كَيْفَ كَانَتْ أَحْوَالُ الْأَمْسِ فِي الْأَزَلِ فَهُوَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْأَزَلِيِّ الْخَالِقِ لِهَذَا الْعَالَمِ. وَأَمَّا مَعْرِفَةُ أَنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي وُقُوعُ الْأَحْوَالِ فِي الْيَوْمِ الْحَاضِرِ فَهُوَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى أَهْلِ الْعَالَمِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْأَحْوَالِ فِي الْيَوْمِ الْمُسْتَقْبَلِ فَهُوَ الْإِقْرَارُ بِالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، وَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ عَلَى ضِدِّ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثَةِ كَانَ فِي نِهَايَةِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ، فَلِهَذَا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْوَيْلِ، فَقَالَ: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) وَهَذَا تَرْتِيبٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَقْرِيرِ كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ)
أَيْ لَا يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ مِنْ لَوَثِ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قوله تَعَالَى: (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها) [الشَّمْسِ: 7]
الثَّالِثُ: قَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّ قُرَيْشًا كَانْتَ تُطْعِمُ الْحَاجَّ، فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلَى مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا فِي إِثْبَاتِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالُوا إِنَّهُ تَعَالَى أَلْحَقَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِنَاءً عَلَى أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا: كَوْنُهُ مُشْرِكًا.