كلمة أخلاء جمع خليل، والخُلَّة تعني أنهما تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، تحابَّا حُباً تعدَّى مرحلة اللقاء والعناق إلى أن ذوّب كلاً منهما في الآخر، وكأنه أحدث بينهما تداخلَ ذرات من جسم إلى جسم، وهذا الذي عَبَّر عنه إسماعيل صبري رحمة الله عليه حين قال:
وَلَمَّا التقَيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقُ جُهْدهُ ... خَليلَيْنِ فَاضَا لَوْعةً وَعِتَابَا
كَأنَّ حَبِيباً في خلال حَبيبه ... تَسرَّبَ أَثْنَاءَ العِنَاقِ وَغَابَا
لكن كيف يكون تحسين الضلال؟ وكيف يقبل الناسُ الإغواءَ بالباطل؟ قالوا: لأن أيَّ منهج من السماء لا بُدَّ أنْ يصادمَ شهوات النفس ونزواتها، فحين تتغلب الشهواتُ والنزوات على الإنسان يلجأ إلى إله لا منهجَ له ولا أوامرَ ولا نواهيَ، ومن هنا ضَلَّ الناسُ، فعبدوا الأصنام والجمادات، لأن عبادة مثل هذه الآلهة تُشعِرهم بالتديُّن الذي يميل إليه الإنسان بطبعه، فهو إذن متدين.
وفي نفس الوقت، ينفلت من قيود المنهج، لأن إلهه لا يأمره بشيء، ولا ينهاه عن شيء؛ لأن العبادة كما قلنا: طاعة العابد للمعبود في أمره ونَهْيه، فالذين عبدوا الأصنام مثلاً أو الشمس أو القمر، بماذا أمرتْهُم هذه الآلهة، وعَمَّ نَهَتم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا أعدَّتْ لمن كفر بها؟
إذن: فهي آلهة باطلة؛ لأن المعبود بحق له منهج افعل ولا تفعل، عنده الثواب لمَن أطاع، والعقاب لمن يعصى.
ثم يلتفت أهل النار لفتة أخرى:
{وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً ...} .
{وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأَشْرَارِ} * {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَار} * {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ}
{وَقَالُواْ} [ص: 62] أي: أهل النار {مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً ..} [ص: 62] يعنون أصحاب محمد الذين {كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأَشْرَارِ} [ص: 62] ، كما قال الكفار لسيدنا نوح عليه السلام:
{مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27] كذلك قال كفار مكة لأتباع محمد من العبيد أمثال بلال وخبّاب وغيرهم.