[المجادلة: 8] الذي صِرْتم وصِرْنا إليه {قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ} [ص: 61] .
وفي موضع آخر، يُصوِّر القرآنُ هذا الموقفَ، فيقول حكايةً عن الكافرين:
{رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} [الأحزاب: 67 - 68] .
فطلبوا لهم ضعفين من العذاب، لأنهم ضَلُّوا في أنفسهم، ثم أضلُّوا غيرهم فاستوجب كل ضلال جزاءً، إذن: لا بُدَّ أنْ يكونَ المتبوعُ أشدَّ عذاباً من تابعه، والحق سبحانه لا يعذِّب عبده بأكثر مما يستحق، لكن هؤلاء يُضَاعَف لهم العذابُ ضِعْفين من ناحية انفكاك الجهة، فضِعف لأنه ضَلَّ في ذاته، وضِعْفَ لأنه أضلَّ غيره.
ومعنى: {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ..} [ص: 60] أي: بالإغواء والتزيين وتحسين الضلال وتيسير سُبُله.
وفي موضع آخر في سورة البقرة يُبيِّن الحق سبحانه أن الأخلاء على الشر سيتبرأ كل منهم من الآخر:
{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}
[البقرة: 166 - 167] .
وما أشبه موقفهم هذا بموقف الشيطان حين يقول لأتباعه يوم القيامة:
{إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..} [إبراهيم: 22] .
هذا إذن مصير الأخلاء على الشر، تنتهي خُلَّتهم بالعداوة واللعن أما الأخلاَّء على الخير فهم أخلاء في الدنيا أخلاء في الآخرة، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى:
{الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] .