اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا تَمَّمَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ الْقِصَّةِ أَرْدَفَهَا بِبَيَانِ أَنَّهُ تَعَالَى فَوَّضَ إِلَى دَاوُدَ خِلَافَةَ الْأَرْضِ، وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ عَلَى فَسَادِ الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ، لِأَنَّ مِنَ الْبَعِيدِ جِدًّا أَنْ يُوصَفَ الرَّجُلُ بِكَوْنِهِ سَاعِيًا فِي سَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، رَاغِبًا فِي انْتِزَاعِ أَزْوَاجِهِمْ مِنْهُمْ ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوَّضَ خِلَافَةَ الْأَرْضِ إِلَيْهِ، ثُمَّ نَقُولُ فِي تَفْسِيرِ كَوْنِهِ خَلِيفَةً وَجْهَانِ:
الْأَوَّلُ: جَعَلْنَاكَ تَخْلُفُ مَنْ تَقَدَّمَكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي سِيَاسَةِ النَّاسِ لِأَنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ مَنْ يَخْلُفُهُ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يُعْقَلُ فِي حَقِّ مَنْ يَصِحُّ عَلَيْهِ الْغَيْبَةُ، وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ الثَّانِي: إِنَّا جَعَلْنَاكَ مَالِكًا لِلنَّاسِ وَنَافِذَ الْحُكْمِ فِيهِمْ فَبِهَذَا التَّأْوِيلِ يُسَمَّى خَلِيفَةً، وَمِنْهُ يُقَالُ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ يَكُونُ نَافِذَ الْحُكْمِ فِي رَعِيَّتِهِ وَحَقِيقَةُ الْخِلَافَةِ مُمْتَنِعَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ، فَلَمَّا امْتَنَعَتِ الْحَقِيقَةُ جُعِلَتِ اللَّفْظَةُ مُفِيدَةً اللُّزُومَ فِي تِلْكَ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ نَفَاذُ الْحُكْمِ.